البديل المحتمل للأمم المتحدة.. ترامب يوزع مقاعد “مجلس السلام العالمي” مقابل مليار دولار للكرسي الواحد

تقارير | بقش
في خطوة تعيد تعريف مفاهيم التحالفات الدولية وتؤكد النهج “التعاقدي” الذي لطالما ميز السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترامب، تداولت الأوساط الدبلوماسية في واشنطن والعواصم الغربية أنباءً مثيرة للجدل حول الشروط المالية للانضمام إلى “مجلس السلام” الجديد الذي أسسه البيت الأبيض.
المبادرة التي طُرحت ظاهرياً كآلية لإنهاء الحرب في غزة وإدارة مرحلة ما بعد الحرب، تبدو في جوهرها مشروعاً طموحاً لإعادة هيكلة النظام الدولي بعيداً عن المؤسسات التقليدية كالأمم المتحدة، حيث تشير التقارير الواردة من “بلومبيرغ” إلى أن الإدارة الأمريكية تطلب من الدول الراغبة في العضوية مساهمة مالية ضخمة تصل إلى مليار دولار، وهو ما يشي بتحول الدبلوماسية إلى “سلعة” تُشترى بالمال لضمان مقعد بجوار الرئيس الأمريكي.
الجدل لم يتوقف عند التسريبات الصحفية، بل امتد ليشمل طبيعة الرد الرسمي من البيت الأبيض، الذي وصف التقرير بأنه “مضلل”، نافياً وجود “حد أدنى” لرسوم العضوية. ومع ذلك، فإن اللغة الدبلوماسية المستخدمة في النفي حملت تأكيدات ضمنية على الجوهر المادي للمبادرة، إذ ربط البيان بين العضوية وبين إظهار “التزام عميق” بالسلام والأمن، وهو مصطلح غالباً ما يُترجم في قاموس إدارة ترامب إلى التزامات مالية أو صفقات تسليح وتجارة.
هذا التناقض الظاهري بين النفي الرسمي والتسريبات يعكس استراتيجية التفاوض المفضلة لدى ترامب: رفع سقف التوقعات المالية لأقصى حد، ثم ترك الباب موارباً للدول لتقديم عروضها، مما يحول العلاقات الدولية إلى مزاد علني للنفوذ.
تأتي هذه التحركات في توقيت حرج للغاية، حيث يشهد قطاع غزة وقفاً هشاً لإطلاق النار منذ أكتوبر الماضي، وتتطلع القوى الدولية إلى إطار عملي لإدارة القطاع المنكوب. ويبدو أن ترامب يسعى لاستغلال هذه الحاجة الدولية الملحّة لفرض “مجلس السلام” كبديل واقعي للمؤسسات الدولية العاجزة، مستخدماً ورقة “إعادة الإعمار” والأمن كمدخل لجمع الأموال وتوزيع النفوذ.
إن دعوة قادة دول محورية مثل فرنسا وألمانيا وكندا، بالإضافة إلى قوى إقليمية كمصر وتركيا، تشير إلى رغبة أمريكا في خلق تحالف “الراغبين والقادرين على الدفع”، متجاوزة بذلك البيروقراطية الأممية المعقدة وحق النقض في مجلس الأمن.
وفي قراءة أعمق للمشهد، لا يمكن فصل هذه المبادرة عن الرؤية الشخصية لترامب الذي سيتولى رئاسة المجلس في دورته الافتتاحية، مما يمنحه سيطرة مركزية غير مسبوقة على ملفات النزاع العالمي. فالهيكلية المقترحة التي تحدد العضوية بثلاث سنوات قابلة للتجديد “بقرار من الرئيس”، تضع الدول الأعضاء تحت ضغط مستمر لضمان رضا واشنطن، سواء سياسياً أو مالياً، لتجنب فقدان مقعدها.
هذا النموذج يحول الشراكة الاستراتيجية من علاقة ثابتة مبنية على القيم والمصالح المشتركة، إلى علاقة مؤقتة ومشروطة تخضع للتقييم الدوري من قبل سيد البيت الأبيض.
يثير الحديث عن مبلغ “المليار دولار” كشرط للعضوية زوبعة من التساؤلات حول مستقبل العمل الدبلوماسي المتعدد الأطراف. فتقرير “بلومبيرغ” الذي استند إلى مصادر مطلعة، لم يأتِ من فراغ، بل يتسق تماماً مع تصريحات سابقة لترامب طالب فيها حلفاء الناتو بدفع مستحقات الحماية، ودعا دولاً أخرى لدفع ثمن الأمن الذي توفره أمريكا.
ورغم نفي الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض لوجود “تسعيرة ثابتة”، إلا أن الإشارة إلى منشورات سابقة للمبعوث الخاص ستيف ويتكوف تؤكد أن الجانب المالي هو الركن الأساسي في تشكيل هذا المجلس، وأن “الالتزام العميق” المطلوب ليس مجرد مواقف سياسية، بل مساهمات مادية ملموسة في صناديق يديرها المجلس.
التحدي الأكبر الذي يواجه حلفاء واشنطن هو التوفيق بين الانخراط في هذا المجلس وبين التزاماتهم تجاه القانون الدولي والمؤسسات الأممية. فمجلس السلام هذا يبدو مصمماً للالتفاف على الأمم المتحدة، والانخراط فيه قد يعني ضمنياً الموافقة على تهميش الشرعية الدولية.
الدول الأوروبية على وجه الخصوص ستجد صعوبة في تبرير دفع أموال طائلة لهيئة لا تخضع لرقابة دولية واضحة، ولا تضمن تمثيلاً عادلاً للأطراف المتنازعة، مما يجعل استجابتهم للدعوة اختباراً حقيقياً لمدى استقلاليتهم عن الهيمنة الأميركية في عهد ترامب الثاني.


