العالم ينجو من فخ الركود: صندوق النقد يرى 2026 عام الانعطافة الاقتصادية الكبرى

الاقتصاد العالمي | بقش
في قراءة متأنية للمشهد المالي العالمي الذي يبدو أنه يتجاوز عثرات الحمائية التجارية ليدخل حقبة الابتكار التقني، كشف صندوق النقد الدولي اليوم الاثنين عن تحديثات جوهرية في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، حملت في طياتها نبرة تفاؤل لم تكن حاضرة في الربع الأخير من العام الماضي.
هذا التحول الدراماتيكي في التوقعات يعكس قدرة فائقة للمؤسسات والشركات الكبرى على امتصاص الصدمات الجيوسياسية وإعادة تموضعها في سوق عالمية متغيرة، حيث رفع الصندوق توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي لعام 2026 إلى 3.3% وفق اطلاع مرصد “بقش”، وهي زيادة تعكس استعادة الزخم بعد فترة من القلق بشأن استدامة النمو في ظل القيود التجارية المفروضة منذ عودة الإدارة الأمريكية الحالية.
ويشكل هذا التحديث، الذي صدر من واشنطن اليوم 19 يناير 2026، اعترافاً صريحاً بأن الاقتصاد العالمي لم يصمد فحسب أمام ضغوط الرسوم الجمركية، بل بدأ في جني ثمار طفرة الاستثمارات الهائلة في قطاع الذكاء الاصطناعي، التي باتت المحرك الفعلي للإنتاجية العالمية.
فبعد أن كانت التوقعات السابقة في أكتوبر الماضي تشير إلى مستويات أكثر تحفظاً، جاءت الأرقام الحالية لتؤكد أن الاقتصاد العالمي يسير بخطى ثابتة نحو الاستقرار عند مستوى 3.3% لعامي 2025 و2026 على التوالي، وهو ما يمثل نجاحاً في تجاوز “فخ الركود” الذي حذر منه المحللون عقب التوترات التجارية الحادة التي بلغت ذروتها في منتصف العام الماضي.
ويرى خبراء الاقتصاد في المؤسسة الدولية أن هذا “الصمود المدهش” يعود بشكل أساسي إلى مرونة سلاسل التوريد العالمية التي أعادت تشكيل نفسها بسرعة تفوق التوقعات، تزامناً مع اتفاقيات تجارية ذكية نجحت في الالتفاف على القيود الصارمة أو خفض وطأتها.
الحالة الراهنة للاقتصاد العالمي تشير إلى أن الأسواق بدأت فعلياً في استباق تيسير السياسات النقدية، مع استمرار تراجع معدلات التضخم عالمياً، مما يمنح البنوك المركزية مساحة أوسع لدعم النمو، وهو ما يجعل عام 2026 نقطة ارتكاز حقيقية لمسار صاعد قد يمتد لسنوات قادمة، رغم وجود جيوب من التباطؤ في بعض القوى الاقتصادية الناشئة.
رهان أمريكا على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كمحرك للنمو
تستعد أمريكا لقيادة القاطرة الاقتصادية المتقدمة خلال عام 2026، حيث رفع صندوق النقد الدولي توقعات نموها بمقدار 0.3 نقطة مئوية لتصل إلى 2.4% حسب قراءة بقش. هذا التفاؤل لا ينبع من مجرد نشاط استهلاكي تقليدي، بل يرتكز على تدفقات استثمارية غير مسبوقة في البنية التحتية الرقمية، حيث تشير تقارير بلومبيرغ إلى أن الإنفاق الرأسمالي لشركات التقنية الكبرى في وادي السيليكون على مراكز البيانات وتطوير الرقائق المتطورة قد تجاوز كافة المستويات التاريخية.
هذا الاستثمار الكثيف لا يعزز قطاع التكنولوجيا فحسب، بل يمتد أثره ليشمل قطاعات الطاقة والخدمات، مما يخلق دورة اقتصادية متكاملة تدعم الناتج المحلي الإجمالي في مواجهة أي تقلبات تجارية محتملة.
وعلى الرغم من هذا الزخم المرتبط بالذكاء الاصطناعي، إلا أن الصندوق لم يغفل الإشارة إلى تباطؤ طفيف متوقع في عام 2027، حيث قد تتراجع معدلات النمو الأمريكي إلى 2% مع وصول دورة الاستثمارات التقنية الحالية إلى مرحلة النضج. ويشير المحللون إلى أن الاستدامة في النمو الأمريكي مرهونة بقدرة هذه التكنولوجيا على التحول من مجرد “أصول مالية متضخمة” إلى أدوات حقيقية ترفع كفاءة العمل في مختلف القطاعات الإنتاجية.
ومع ذلك، يظل الاقتصاد الأمريكي هو المستفيد الأكبر حالياً من تدفق رؤوس الأموال الباحثة عن الأمان والعائد المرتفع في بيئة تتسم بالابتكار المستمر، وهو ما يعزز من مكانة الدولار والأسواق المالية الأمريكية كوجهة رئيسية للاستثمار العالمي.
وفي سياق متصل، يبدو أن عدوى التفاؤل التقني قد انتقلت إلى أوروبا، وتحديداً إلى إسبانيا التي برزت كأحد النجوم الصاعدة في القارة العجوز، حيث رفع الصندوق توقعات نموها إلى 2.3%. هذا التطور يعكس كيف يمكن للاستثمار في التحول الرقمي أن يعيد إحياء اقتصادات كانت تعاني من الركود، بينما ظلت بريطانيا تراوح مكانها عند توقعات نمو لا تتجاوز 1.3%.
التفاوت في الأداء الاقتصادي داخل القارة الأوروبية يؤكد أن الدول التي تبنت سياسات مرنة لجذب استثمارات الذكاء الاصطناعي هي التي تجني اليوم ثمار هذا التحول، وهو ما يضع ضغوطاً على بقية الاقتصادات الأوروبية للحاق بركب التطور التقني لضمان استقرار معدلات نموها في الأمد المتوسط.
التكيف مع سياسات ترامب الجمركية
أثبت الاقتصاد العالمي قدرة فائقة على التكيف مع سياسات الرئيس ترامب التجارية، التي كانت تعتبر في وقت ما التهديد الأكبر للاستقرار المالي الدولي. ووفقاً لتحليلات الصندوق التي طالعها بقش، فإن الشركات العالمية لم تعد تنتظر تغيير السياسات، بل بدأت في بناء استراتيجيات “التحوط الجغرافي” من خلال تنويع مصادر الإنتاج والبحث عن مسارات بديلة بعيداً عن بؤر التوتر المباشر.
وقد ساهم انخفاض المعدل الفعلي للرسوم الجمركية الأمريكية من 25% إلى نحو 18.5% نتيجة الاتفاقيات الثنائية والاستثناءات القانونية في تخفيف العبء عن كاهل المستهلكين والمنتجين على حد سواء، مما منح التجارة العالمية متنفساً ضرورياً للنمو في عام 2026.
وفي الوقت الذي كانت فيه الأسواق تترقب صدور أحكام قضائية حاسمة من المحكمة العليا بشأن شرعية الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها ترامب، نجد أن الصين قد نجحت فعلياً في إعادة توجيه جزء كبير من صادراتها نحو أسواق جنوب شرق آسيا وأوروبا. هذا التحول الاستراتيجي مكن بكين من تحقيق معدلات نمو متوقعة بنسبة 4.5% لعام 2026، وهي نسبة تتجاوز التقديرات السابقة رغم الضغوط الأمريكية المستمرة.
أما منطقة اليورو، فقد أظهرت تماسكاً نسبياً برفع توقعات نموها إلى 1.3%، مدعومة بتحسن الإنفاق العام في ألمانيا وبروز أداء قوي في اقتصادات مثل أيرلندا. ورغم أن القارة الأوروبية ما زالت تعاني من بطء في تنفيذ خطط زيادة الإنفاق الدفاعي التي كان من المفترض أن تحفز الصناعة، إلا أن استقرار أسعار الطاقة وتحسن الطلب العالمي قد وفرا بيئة ملائمة لنمو هادئ.
وفي المقابل، يبرز خطر آخر يتمثل في “التسعير المبالغ فيه” للأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الأسواق المالية، فإذا لم تترجم هذه الاستثمارات المليارية إلى زيادات حقيقية وملموسة في الإنتاجية والأرباح، فقد نشهد تصحيحاً قاسياً في البورصات العالمية.
هذا السيناريو قد يؤدي إلى انكماش في الثروات وتراجع في ثقة المستهلكين، مما يهدد التوقعات الوردية التي رسمها الصندوق. ولذلك، يشدد الخبراء على ضرورة مراقبة “فجوة التوقعات” بين ما يعد به الذكاء الاصطناعي وما يحققه فعلياً على أرض الواقع، لضمان عدم تحول هذه الطفرة إلى فقاعة اقتصادية تهدد الاستقرار المالي العالمي الذي بدأ يستعيد توازنه للتو.
التحديثات الأخيرة لصندوق النقد الدولي لعام 2026 تعكس مشهداً اقتصادياً عالمياً تجاوز مرحلة “الدفاع” وبدأ في مرحلة “الهجوم” من خلال الابتكار الرقمي.
فرغم بقاء شبح التوترات التجارية والسياسات المتقلبة التي يمثلها ترامب، إلا أن الاقتصاد العالمي أثبت أن العولمة التقنية أقوى من الحدود الجمركية وفق قراءة بقش. الزيادة في توقعات النمو ليست مجرد أرقام صماء، بل هي شهادة على أن الذكاء الاصطناعي قد انتقل من كونه “صيحة تقنية” ليصبح “ضرورة اقتصادية” تساهم في رفع كفاءة سلاسل التوريد وتقليل التكاليف الإنتاجية، مما ساعد في امتصاص أثر الرسوم الجمركية المرتفعة التي كانت تهدد بخنق التجارة الدولية.
في المحصلة، يبدو عام 2026 كأنه عام “العبور الكبير” نحو اقتصاد أكثر مرونة وذكاءً، شريطة أن تنجح القوى الكبرى في إدارة مخاطر التضخم وضمان توزيع ثمار التكنولوجيا بشكل لا يعمق الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة.


