تصعيد غرينلاند بين رسوم ترامب وأداة أوروبا “النووية”.. العالم يواجه شبح الحرب التجارية

الاقتصاد العالمي | بقش
لا يزال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متمسكاً بالحصول على جزيرة غرينلاند، مجدداً رغبته الصريحة هذه، ومستخفاً بالرفض الأوروبي ومتوقعاً -على نحو استفزازي لأوروبا- غياب معارضة قوية من الاتحاد الأوروبي. وجاء هذا الاستفزاز هذه المرة مقروناً بتهديدات اقتصادية مباشرة، وهو ما نقل القضية من نطاق الجدل السياسي إلى مربع الصدام التجاري والاستراتيجي.
ترامب قال إن أوروبا “غير قادرة على حمايتنا”، وهو ما كشف عن منطق أمني توسعي يربط الجغرافيا بالردع العسكري والنفوذ العالمي، ووضَعَ غرينلاند في قلب معادلة الأمن الأمريكي في القطب الشمالي، خاصة في ظل التنافس المتصاعد مع روسيا والصين على الممرات القطبية والموارد الطبيعية.
لكن تصريحات ترامب قوبلت برفض حاد من قادة أوروبيين، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي لم يكتفِ بالرفض السياسي، بل لوّح باستخدام أقوى أدوات الرد التجاري داخل الاتحاد الأوروبي، وهي أداة مكافحة الإكراه (ACI)، التي يُنظر إليها كـ”خيار نووي” في الترسانة التجارية الأوروبية.
وحسب متابعة مرصد “بقش”، تتيح هذه الأداة للاتحاد الأوروبي الرد على الضغوط الخارجية عبر فرض تعرفات جمركية مضادة، وتقييد الاستثمارات، ومنع شركات الدولة المستهدفة من العمل داخل السوق الأوروبية.
ورغم أن هذه الأداة لم تُستخدم سابقاً، فإن خطورة الموقف تكمن في أن النزاع يمس سيادة دولة عضو هي الدنمارك، ما يجعل اللجوء إلى إجراءات أكثر صرامة احتمالاً قائماً، وإن كان محفوفاً بمخاطر اقتصادية، أبرزها ارتفاع التضخم وإضعاف النمو الأوروبي.
وتجتمع دول الاتحاد الأوروبي يوم الخميس المقبل، 22 يناير، لمناقشة كيفية الرد على تهديدات ترامب بفرض رسومه الجمركية الجديدة المرتبطة بقضية غرينلاند، وتمثل أداة مكافحة الإكراه إحدى الأدوات التي يتم اختبارها حالياً.
وكان ترامب تعهّد يوم السبت، 17 يناير، بتنفيذ موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الواردات من الحلفاء الأوروبيين حتى يُسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند، ما أدى إلى تصعيد النزاع.
وإذا تم تطبيق هذا الإجراء ضد الولايات المتحدة، فقد تكون شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة من بين المستهدفين بسبب التأثير المالي وقُرب العديد من المديرين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا من إدارة ترامب.
هذا وأعلنت فرنسا اليوم الثلاثاء تأييدها لتعليق اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وفق اطلاع بقش على رويترز، مع تصاعد الخلاف حول مستقبل الجزيرة.
الرسوم كسلاح سياسي.. 200% على فرنسا
لم يتوقف التصعيد عند غرينلاند، بل تمدد ليشمل مشروع “مجلس السلام” الذي يروج له ترامب، حيث هدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 200% على النبيذ والشمبانيا الفرنسية في حال استمرار رفض ماكرون الانضمام إلى المجلس. وذهب ترامب أبعد من ذلك بقوله إن “لا أحد يريد ماكرون لأنه سيغادر منصبه قريباً جداً”.
الأخطر في هذا الطرح ليس التهديد الجمركي بحد ذاته، بل طبيعة المجلس المقترح، الذي تشترط الإدارة الأمريكية للعضوية الدائمة فيه مساهمة مالية لا تقل عن “مليار دولار”، مع منح ترامب صلاحيات واسعة تشمل رئاسة الدورة الأولى والفصل في قرارات العضوية.
وأثار هذا النموذج مخاوف أوروبية ودولية من أن يكون المجلس محاولة لإنشاء كيان موازٍ أو بديل للأمم المتحدة، خارج أطر الشرعية الدولية التقليدية.
وجاء رفض فرنسا انطلاقاً من تمسكها بمبادئ الأمم المتحدة وعدم قابليتها للتفاوض، في حين وُجهت دعوات لعدد من القادة، بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الأرجنتين، ورئيس وزراء كندا، ما زاد من الغموض حول طبيعة المجلس وأهدافه الحقيقية.
بيسنت: تهدئة مالية وسط عاصفة سياسية
في مقابل لهجة ترامب التصعيدية، ظهر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بدور المهدئ، داعياً إلى التريث و”أخذ نفس عميق”، ومقللاً من شأن التهديدات الأوروبية.
بيسنت وصف هذه السيناريوهات بأنها “سردية زائفة”، مؤكداً أن أوروبا تمتلك تريليونات الدولارات من الأصول الأمريكية، وأن تسليح الحيازات سيشكل تصعيداً خطيراً قد يحول حرباً تجارية بطيئة إلى مواجهة مالية مباشرة تهز أسواق رأس المال العالمية.
ومع تأكيده التزام الولايات المتحدة بحلف الناتو، أقرّ في الوقت نفسه بإمكانية الاختلاف حول مستقبل غرينلاند، في اعتراف ضمني بحجم الشرخ السياسي القائم عبر الأطلسي.
جاءت كل هذه التطورات بالتزامن مع عقد منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، الذي بدا في دورته الأخيرة أشبه بغرفة طوارئ دولية، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتأثيرها على الطاقة والغذاء، وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط وضغطه على سلاسل الإمداد، وعودة النزعة الحمائية والحروب التجارية، وتآكل الثقة في النظام الاقتصادي العالمي.
وبات يُقرأ المشهد العالمي اقتصادياً بأنه يمثّل “أرضاً هشة”، حيث إن التضخم تراجع نسبياً، لكن أسعار الفائدة المرتفعة ما تزال تكبح الاستثمارات، وسلاسل الإمداد لم تتعافَ بالكامل، فيما يهدد التحول نحو التكتلات الإقليمية فكرة السوق العالمية المفتوحة.
يمكن تلخيص المشهد بأنه لم يعد نزاعاً جغرافياً بل أصبح عرضاً مكثفاً لأزمة أعمق تضرب النظام الدولي، حيث تسييس التجارة، وتآكل المؤسسات متعددة الأطراف، وعودة منطق القوة الاقتصادية كأداة ابتزاز سياسي.
ويوظف ترامب الرسوم الجمركية كوسيلة ضغط شاملة، بينما تحاول أوروبا الموازنة بين الدفاع عن سيادتها وتجنب حرب اقتصادية شاملة، وفي الخلفية يقف الاقتصاد العالمي هشاً، ينتظر قرارات شجاعة تتجاوز الخطابات، وهو ما يجعل دافوس مساحة للحوار الضروري، لكنه غير الكافي، في عالم يزداد قلقاً واضطراباً.


