
تقارير | بقش
في مفارقة اقتصادية لافتة تعيد تشكيل مفاهيم “الحرب المالية”، أظهرت بيانات مطلع عام 2026 أن روسيا تمكنت عملياً من تعويض خسائرها الناتجة عن تجميد أصولها السيادية في الغرب، ليس عبر الدبلوماسية أو المحاكم، بل بفضل “هدايا الأسواق”. فقد أدى الارتفاع الجنوني لأسعار الذهب، الذي كسر حواجز تاريخية غير مسبوقة، إلى تحقيق موسكو مكاسب دفترية ناهزت 216 مليار دولار منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، وهو رقم يوازي تقريباً حجم الأموال التي جمدتها الدول الغربية في خزائن “يوروكلير” وغيرها.
هذا التحول الدراماتيكي في الميزانية العمومية للبنك المركزي الروسي يشير إلى فشل جزئي في استراتيجية “الخنق المالي” التي انتهجتها مجموعة السبع. فبينما كان الغرب يراهن على عزل روسيا عن نظام “سويفت” وتجفيف منابع النقد الأجنبي، كانت موسكو تعيد هندسة احتياطياتها بصمت، مراهنة على المعدن الأصفر كملاذ أخير ضد هيمنة الدولار واليورو.
ومع وصول سعر الأونصة إلى ما فوق 4,700 دولار في يناير الجاري حسب متابعة بقش، تحولت “الرهانات الخطرة” للكرملين إلى طوق نجاة حقيقي، مما يعزز سردية “الاقتصاد المقاوم” التي يروج لها الرئيس فلاديمير بوتين.
ولا تعكس هذه الأرقام مجرد نجاح تكتيكي لروسيا، بل تشير إلى تصدع أعمق في النظام المالي العالمي القائم على العملات الورقية (Fiat Currency). فالهروب الجماعي نحو الذهب، الذي قادته البنوك المركزية في الجنوب العالمي والصين وروسيا، يعبر عن أزمة ثقة متفاقمة في الديون السيادية الغربية. وبهذا، تجد أوروبا نفسها في مأزق: فهي تحتجز أصولاً ورقية (سندات ونقد) تتآكل قيمتها بفعل التضخم، بينما تمتلك روسيا أصولاً صلبة تتضاعف قيمتها وتمنحها ملاءة مالية، حتى وإن كانت تواجه صعوبات لوجستية في تسييلها.
إعادة هيكلة الاحتياطيات: من “سلة العملات” إلى “سلة المعادن”
لم يكن التحول الروسي نحو الذهب وليد الصدفة، بل هو تتويج لاستراتيجية بدأت قبل الحرب وتسارعت وتيرتها بعدها. تظهر البيانات الحديثة التي طالعها مرصد “بقش” أن الذهب بات يشكل 43% من إجمالي الاحتياطيات الروسية البالغة 755 مليار دولار، وهي قفزة هائلة مقارنة بـ21% فقط قبل أربع سنوات.
هذا التغيير الجذري يعني أن موسكو قلصت انكشافها على النظام المصرفي الغربي إلى الحد الأدنى، مستبدلة الأصول الرقمية القابلة للتجميد بأصول مادية مخزنة داخل أقبية البنك المركزي في موسكو وسانت بطرسبرغ، بعيداً عن أيدي المشرعين في بروكسل وواشنطن.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي مدد في ديسمبر 2025 تجميد ما يقارب 244 مليار دولار من الأصول الروسية، إلا أن القيمة السوقية للذهب الروسي عوضت هذا “الغياب القسري” للسيولة. فموسكو اليوم “غنية” محاسبياً، وتمتلك غطاءً قوياً لعملتها المحلية (الروبل)، لكنها تواجه تحدي “السيولة مقابل الملاءة”. فالذهب الموجود في الخزائن يوفر الأمان والاستقرار طويل الأمد، لكنه لا يتمتع بمرونة الدولار أو اليورو في تسوية المعاملات التجارية الفورية، مما يضطر روسيا للبحث عن آليات مقايضة معقدة مع شركائها التجاريين.
وفي سياق متصل، اضطرت وزارة المالية الروسية للبدء في تسييل جزء بسيط من هذه الاحتياطيات (حوالي 0.2 مليون أونصة) في أواخر 2025 لتمويل عجز الموازنة وتغطية نفقات الحرب المستمرة. هذا الإجراء يثبت أن الذهب ليس مجرد أصل جامد، بل هو “صندوق طوارئ” فعال يمكن استخدامه عند الحاجة، خاصة مع وجود مشترين دوليين خارج المنظومة الغربية مستعدين لقبول الذهب الروسي كوسيلة دفع أو ضمان، متجاوزين العقوبات المفروضة.
جغرافيا الذهب الجديدة: طرق بديلة تتجاوز لندن
تواجه روسيا، بصفتها ثاني أكبر منتج للذهب عالمياً بإنتاج يتجاوز 300 طن سنوياً، حصاراً تسويقياً من قبل رابطة سوق السبائك في لندن (LBMA) ومجموعة السبع. ومع ذلك، تشير تقارير استخباراتية اقتصادية إلى نشوء “سوق ظل” للذهب الروسي، تتخذ من دبي وهونغ كونغ وإسطنبول مراكز رئيسية لإعادة التدوير والصهر.
يتم في هذه المراكز “غسل” هوية الذهب الروسي وصهره مجدداً ليدخل الأسواق العالمية، وغالباً ما يُباع بخصومات مغرية للمشترين الآسيويين، مما يضمن لموسكو تدفقات نقدية مستمرة رغم الحظر الرسمي.
ارتفاع الأسعار الجنوني في عام 2025، حيث قفز الذهب بنسبة 65% في أقوى أداء منذ عام 1979، قدم خدمة جليلة للمنتجين الروس. هذا الصعود لم يكن مدفوعاً فقط بالطلب الصناعي، بل بالخوف الجيوسياسي وتوجه البنوك المركزية (خاصة بنك الشعب الصيني) لمراكمة الذهب كبديل للدولار. هذا الطلب العالمي المرتفع يعني أن روسيا لا تحتاج إلى بذل جهد كبير لتسويق انتاجها؛ فالعالم المتعطش للملاذات الآمنة مستعد لشراء الذهب من أي مصدر، مما يجعل العقوبات الغربية على المعدن النفيس أقل فاعلية مقارنة بالعقوبات التكنولوجية أو النفطية.
وفي ضوء التوقعات التي أطلقها نائب وزير المالية الروسي أليكسي موسييف، بأن يتجاوز الذهب حاجز 5,000 دولار للأونصة، يبدو أن موسكو تراهن على “نهاية عصر الورق”. هذا الرهان ينسجم مع تحركات تكتل “بريكس” لإنشاء نظام مدفوعات جديد قد يكون مدعوماً جزئياً بسلة من السلع والمعادن، مما سيجعل الذهب الروسي ليس فقط أصل احتياطي، بل عملة تداول دولية بحكم الأمر الواقع، مما يكسر احتكار الدولار للتسويات التجارية العالمية.
المعركة القانونية: الهجوم خير وسيلة للدفاع
بالتوازي مع المكاسب السوقية، فتحت موسكو جبهة قانونية شرسة لاستعادة أصولها أو الحصول على تعويضات. الدعوى القضائية التي رفعها البنك المركزي الروسي ضد مؤسسة “يوروكلير” البلجيكية للمطالبة بـ227 مليار دولار تمثل تصعيداً خطيراً في الحرب الاقتصادية وفق اطلاع بقش.
محافظة البنك المركزي، إلفيرا نابيولينا، التي توصف بمهندسة الصمود المالي الروسي، تدرك أن استرداد الأموال قد يكون مستحيلاً في المدى المنظور، لكن الهدف من الدعاوى هو “تسميم” البيئة القانونية للأصول الغربية في روسيا وخلق ذريعة لمصادرات متبادلة قد تطال استثمارات غربية لا تزال عالقة في السوق الروسية.
ويعكس الفشل الأوروبي في التوصل لاتفاق نهائي حول مصادرة الأصول الروسية لصالح أوكرانيا (حتى يناير 2026) تخوفاً حقيقياً في العواصم الأوروبية من تداعيات هذه الخطوة على مكانة اليورو كعملة احتياط. فالمصرفيون الأوروبيون يدركون أن مصادرة الأصول السيادية ستدفع دولاً أخرى في الجنوب العالمي لسحب أرصدتها خوفاً من تكرار السيناريو، مما يصب في مصلحة الذهب الذي تكتنزه روسيا. لذا، تحول الجمود في ملف الأصول المجمدة إلى نصر صامت لموسكو، حيث بقيت الأموال مجمدة قانونياً، لكن قيمتها الاقتصادية تم تعويضها عبر قناة الذهب.
وتتداخل هذه المعركة القانونية مع المساعي الدبلوماسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا. فمع وجود إدارة أمريكية جديدة (بقيادة ترامب) ومحادثات سلام تلوح في الأفق، تتحول الأصول المجمدة واحتياطيات الذهب إلى أوراق مساومة رئيسية على طاولة المفاوضات. روسيا تدخل هذه المفاوضات وهي في وضع مالي أقوى مما توقعه خصومها، مدعومة باحتياطي ذهبي ضخم لا يمكن الحجز عليه أو تجميده بأوامر تنفيذية من البيت الأبيض، مما يمنح المفاوض الروسي هامش مناورة واسع.
يُظهر المشهد الاقتصادي لروسيا في مطلع 2026 أن العقوبات المالية، مهما كانت قاسية، تفقد فاعليتها بمرور الوقت إذا تزامنت مع دورات صعود قوية للسلع الاستراتيجية. لقد أثبت الذهب أنه “التحوط الجيوسياسي” الأمثل لروسيا؛ فبينما يمكن للغرب التحكم في مسارات الدولار واليورو، فإنه لا يملك سلطة على سعر الذهب الذي تحدده مخاوف الأسواق العالمية. وبهذا، نجحت روسيا في تحويل التضخم العالمي والاضطرابات الجيوسياسية إلى وقود لتعزيز ملاءتها المالية، معادلةً بذلك كفة الميزان مع القوى الغربية التي جمدت نصف ثروتها.
ومع ذلك، يبقى الانتصار الروسي منقوصاً بشرط “السيولة”. فالثروة الذهبية، وإن كانت هائلة القيمة، لا تبني مصانع ولا تستورد تقنيات دقيقة بشكل مباشر وسلس كما تفعل العملات الصعبة في النظام المالي التقليدي. إن التحدي القادم لموسكو لن يكون في مراكمة المزيد من الذهب، بل في خلق نظام مالي موازٍ بالتعاون مع الصين ودول الجنوب، يسمح بتحويل هذه السبائك إلى مشاريع تنموية وبضائع دون المرور عبر البوابات الغربية، وهو ما سيرسم ملامح النظام الاقتصادي العالمي للعقد القادم.


