من القواعد إلى القوة وصياغة نظام عالمي جديد.. كيف اختتم “منتدى دافوس 2026” اجتماعاته المتوترة؟

الاقتصاد العالمي | بقش
اختتم قادة العالم وكبار التنفيذيين فعاليات الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2026، وسط أجواء غير مسبوقة من التوتر السياسي والاقتصادي، هيمن عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعاد رسم أجندة النقاشات الدولية من الجغرافيا السياسية إلى التجارة والطاقة والدفاع.
وفي ختام الاجتماعات، بدا منتدى دافوس وكأنه مرآة مكبرة لعالمٍ يدخل مرحلة جديدة من الاضطراب وإعادة التشكل، حيث تداخلت السياسة بالاقتصاد، والقوة بالقواعد، واليقين بالضجيج، في مشهد دولي مثقل بالتناقضات. إذ عكست نقاشات المنتدى التي تتبَّعها “بقش” على امتداد جلساته ولقاءاته الجانبية، أنّ النظام العالمي القائم منذ عقود يواجه اختباراً غير مسبوق، تقوده عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار الأمريكي، بما يحمله من مقاربة صدامية تعيد تعريف مفاهيم التحالف والسيادة والتجارة والسلام.
دافوس 2026: منتدى تحت ظل القوة
انعقد المنتدى هذا العام في أجواء وُصفت بأنها الأكثر توتراً منذ سنوات، وسط أزمات جيوسياسية متشابكة، وحروب مفتوحة، وتحولات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة، إلا أن القاسم المشترك الأبرز بين مختلف الملفات كان حضور ترامب، الذي نجح في إعادة توجيه بوصلة النقاشات من قضايا الاقتصاد الكلي والتنمية المستدامة، إلى صلب الصراع على النفوذ والقوة.
فمن جزيرة جرينلاند إلى غزة، ومن أوكرانيا إلى التجارة العالمية، بدا أن الرؤية الأمريكية الجديدة لا تتردد في كسر المحرمات الدبلوماسية، واختبار حدود الحلفاء قبل الخصوم، في ما اعتبره مراقبون انتقالاً من عالم “القواعد” إلى عالم “الصفقات”.
وأدركت أوروبا، خلال دافوس 2026، أن علاقتها التاريخية مع الولايات المتحدة دخلت مرحلة دقيقة، فتصريحات ترامب حول جرينلاند، التي أكد فيها أن “الاتفاق” بشأن الجزيرة ما زال قيد التفاوض، وأن واشنطن تريد “وصولاً كاملاً دون سقف زمني”، لم تُفهم فقط بوصفها مزايدة سياسية، بل كاختبار مباشر لمعنى السيادة الأوروبية في زمن اختلال موازين القوة.
وحسب اطلاع بقش على وكالة رويترز، رأى مسؤولون أوروبيون أن تراجع واشنطن عن بعض نبرتها التصعيدية جاء نتيجة المقاومة الأوروبية وتقلبات الأسواق المالية، غير أن الضرر المعنوي كان قد وقع، إذ تعرضت الثقة في العلاقة عبر الأطلسي لهزة عميقة. أحد مسؤولي الاتحاد الأوروبي لخّص المشهد بقوله: “هناك محاولات جادة لتسريع آليات اتخاذ القرار داخل أوروبا. نحن على الأرجح بطيئون أكثر مما ينبغي”.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبّر بصراحة عن هذا القلق، محذراً من “الانحناء لقانون الأقوى”، فيما شددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على أن سيادة جرينلاند وسلامة حدودها غير قابلة للتفاوض، وأن الاتحاد الأوروبي بات مضطراً للسعي نحو استقلال استراتيجي أكبر.
ورغم إقرار بعض القادة الأوروبيين بأن ترامب يطرح قضايا “مشروعة” تتعلق بالأمن والاعتماد الاقتصادي، إلا أن الغالبية وصفت أسلوب إدارته بأنه “فج وغير دبلوماسي”، ما عمّق الشعور الأوروبي بالحاجة إلى إعادة تعريف موقع القارة في النظام الدولي.
ملفات أوكرانيا وروسيا
بعد تراجع مؤقت في سلّم الأولويات، عادت القضية الأوكرانية بقوة إلى دافوس مع وصول الرئيس فولوديمير زيلينسكي، الذي أجرى سلسلة محادثات سياسية مكثفة، ورغم حديث واشنطن وكييف وموسكو عن “تقدم”، أكد زيلينسكي أن القضايا الإقليمية الجوهرية لا تزال عالقة، ما يجعل أي اتفاق سلام بعيد المنال.
وفي خطاب اعتُبر من أكثر كلمات المنتدى حدة، وجّه زيلينسكي انتقادات مباشرة للأوروبيين، داعياً إياهم إلى التحرك الفوري بدلاً من انتظار الإشارات الأمريكية، واصفاً بعضهم بأنهم في “وضع جرينلاند”، أي في حالة ترقب بينما تُعاد صياغة الخرائط في غرف القوى الكبرى.
وعلى هامش المنتدى، عقد ترامب لقاءً مع زيلينسكي، لم يُعلن بعده عن أي اختراق حقيقي، مكتفياً بالقول إن “الحرب يجب أن تنتهي”، دون تقديم تعهدات واضحة، فيما شدد الرئيس الأوكراني على أن أي تسوية يجب أن تضمن الأمن والسيادة.
ومن جانب آخر، أجرى مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، محادثات مع مسؤولين أمريكيين، في أول حضور روسي بمنتدى دافوس منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، وإن كان خارج الجلسات الرسمية. وفتح هذا الحضور الرمزي باب التكهنات حول مسارات تفاوضية موازية.
مجلس “السلام”: غزة كنموذج جديد للنفوذ
وكان إعلان ترامب عن إطلاق “مجلس السلام” بشأن غزة من أكثر الملفات إثارةً للجدل، بوصفه جزءاً من خطته لتثبيت وقف إطلاق النار وإعادة بناء “غزة منزوعة السلاح”، ووصف ترامب مجلس السلام بأنه يعني البناء والنهوض الاقتصادي.
لكن هذا الطرح قوبل بتحفظات أوروبية وكندية واسعة، وسط مخاوف من أن يتحول المجلس إلى كيان موازٍ للأمم المتحدة أو التفاف على أطرها. وحسب التقارير التي تناولها بقش، بدت فكرة “السلام” في دافوس وكأنها تُدار كأداة نفوذ، تسعى واشنطن من خلالها إلى هندسة ترتيبات سريعة بأدواتها الخاصة، مقابل تمسك أطراف أخرى بمرجعية الشرعية الدولية رغم بطئها وتعقيدها.
الاقتصاد الكلي: قلق من الحمائية وتقلبات السوق
على الصعيد الاقتصادي، أثارت تهديدات الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على حلفاء أوروبيين مخاوف من تصاعد النزعة الحمائية، وأعادت فتح النقاش حول اعتماد أوروبا المفرط على الاقتصاد الأمريكي. وزير المالية الكندي فرانسوا-فيليب شامبان عبّر عن قلق مجتمع الأعمال بقوله: “ما يريده الرؤساء التنفيذيون اليوم هو الاستقرار، والقدرة على التنبؤ، وسيادة القانون، وهذه العناصر أصبحت نادرة”.
ودفعت هذه الأجواء عدداً من الحكومات والشركات إلى الدعوة لتنويع الشراكات التجارية، وتعزيز التجارة البينية، وتقليص الاعتماد على سوق واحدة، تحسباً لصدمات مفاجئة.
وفي الجلسة الختامية للمنتدى، قدمت ثلاث من أبرز صانعات القرار في الاقتصاد العالمي قراءة أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل عمقاً. رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد شددت وفق اطلاع بقش، على أنّ ما يشهده العالم ليس انهياراً للنظام الاقتصادي، بل تحولات واضحة وإعادة ترتيب للعلاقات، محذرةً من الخلط بين الإشارات الحقيقية والضجيج السياسي والإعلامي.
وأشارت لاغارد إلى أن كثيراً من أرقام النمو المتداولة اسمية، ولا تعكس تحسناً فعلياً بعد احتساب التضخم، مؤكدة أن المصداقية في استخدام البيانات أصبحت شرطاً أساسياً للحفاظ على الثقة.
من جهتها، رأت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا أن العالم دخل مرحلة أكثر عرضة للصدمات، ورغم رفع توقعات النمو، اعتبرت أن مستويات تقارب 3% “جميلة لكنها غير كافية”، خاصة في ظل ديون سيادية تقترب من 100% من الناتج المحلي في دول عديدة. وحذرت من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في نحو 60% من وظائف الاقتصادات المتقدمة، بما يهدد بتوسيع فجوات سوق العمل والضغط على الطبقة الوسطى.
أما المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو-إيويالا، فرفضت فكرة موت التجارة العالمية، مؤكدة أن 72% من التجارة لا تزال تجري وفق قواعد المنظمة، لكنها أقرت بأن النظام التجاري يمر بأكبر اضطراب منذ ثمانية عقود، ويحتاج إلى إصلاح وتنويع الشراكات وسلاسل الإمداد لتفادي الصدمات.
حضور الذكاء الاصطناعي وعودة النفط
حضر الذكاء الاصطناعي بقوة في دافوس 2026، مع مشاركة لافتة لإيلون ماسك والرئيس التنفيذي لشركة “إنفيديا”. وأكد قادة أعمال أن المخاوف من فقاعة تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي بدأت تتراجع، مع إقرارهم بفقدان بعض الوظائف، مقابل نشوء أخرى جديدة.
في المقابل، حذر قادة نقابيون من تفاقم البطالة وعدم المساواة حسب متابعات بقش، مطالبين بإطار تنظيمي وبرامج تدريب واسعة لضمان توزيع أكثر عدالة لمكاسب التكنولوجيا.
وبدوره عاد قطاع النفط بقوة إلى الواجهة، مدعوماً بسياسات ترامب التي أوقفت مشاريع طاقة الرياح، ودعت إلى تكثيف عمليات الحفر. وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت قال إن إنتاج النفط العالمي يجب أن يتضاعف أكثر من مرة لتلبية الطلب المتزايد، منتقداً ما وصفه بـ”الإفراط الأوروبي” وولاية كاليفورنيا في الإنفاق على الطاقة الخضراء.
في المقابل، قدم إيلون ماسك رؤية مغايرة، مؤكداً أن الولايات المتحدة قادرة على تلبية كامل احتياجاتها من الكهرباء عبر الطاقة الشمسية، منتقداً الرسوم الجمركية المرتفعة التي ترفع التكاليف بشكل مصطنع.
ومن ناحية أخرى، ورغم تأكيد ترامب عدم وجود حل عسكري لمطالبه المتعلقة بجرينلاند، رأى بعض التنفيذيين أن المرحلة المقبلة قد تشهد زيادة في الإنفاق الدفاعي، بما يشمل مشاريع بنية تحتية وتوظيفاً واسعاً. وأثار ترامب جدلاً إضافياً بتصريحاته عن “سلاح صوتي سري” قال إنه استُخدم في عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهو ما دفع الكرملين إلى الإعلان عن فتح تحقيق في هذه الادعاءات.
الخلاصة أن منتدى دافوس 2026 كشف عن عالمٍ يقف عند مفترق طرق، يتلخص في نظام دولي تتآكل قواعده، وقوة أمريكية تعود باندفاع غير متوقع، وحكومات أوروبية تبحث عن استقلالها، فيما يتأرجح الاقتصاد العالمي بين وعود الذكاء الاصطناعي، وعودة الوقود الأحفوري، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، ووسط هذا المشهد المعقد يبدو أن اليقين الوحيد هو أن مرحلة جديدة قد بدأت، عنوانها إعادة تشكيل النظام العالمي على وقع القوة، لا القواعد.


