تريليون دولار في يد رجل واحد: حزمة رواتب “إيلون ماسك” تفتح ملف فجوة الأجور عالمياً

منوعات | بقش
في زمنٍ تتباطأ فيه زيادات رواتب الموظفين العاديين، وتزداد فيه الفجوة بين من يعملون ومن يقررون، تعود قضية رواتب الرؤساء التنفيذيين إلى الواجهة بقوة، مدفوعةً باسم واحد يختصر الجدل كلّه: إيلون ماسك.
فحزمة الرواتب التي يُتوقع أن يحصل عليها الملياردير الأمريكي، والتي قد تصل قيمتها الإجمالية إلى تريليون دولار، لا تمثل مجرد رقم فلكي جديد في عالم المال، بل تكشف عن مسارٍ تصاعدي طويل لثروات الرؤساء التنفيذيين، وهو مسار لم يتوقف حتى في ظل تباطؤ نمو الأجور وتفاوت العوائد بين الموظفين والمساهمين، وفق اطلاع “بقش” على أحدث البيانات التي أشارت إليها شبكة CNBC.
ماسك، الذي يُعدّ بالفعل أغنى شخص في العالم بثروة صافية تتجاوز 660 مليار دولار، استعاد في ديسمبر الماضي حزمة رواتبه من شركة تسلا لعام 2018، وهي حزمة تُقدّر قيمتها الحالية بأكثر من 130 مليار دولار.
وفي الوقت نفسه، تستعد شركته الأخرى “سبيس إكس” لطرح أسهمها للاكتتاب العام خلال عام 2026، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريو غير مسبوق يتمثل في ولادة أول “تريليونير” في التاريخ الحديث خلال هذا العام.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك. فوفق شبكة CNBC، من المحتمل أن تبدأ حزمة رواتب جديدة لماسك، تصل قيمتها إلى تريليون دولار، بالتحقق فعلياً خلال العقد القادم، ما يجعل الجدل حول العدالة والأجور في قلب النقاش الاقتصادي العالمي من جديد.
ورغم أن حالة ماسك تُوصف غالباً بالاستثنائية، فإنها تعكس اتجاهاً أوسع وأعمق. فالمكاسب الضخمة القائمة على الأسهم، والتي باتت العمود الفقري لتعويضات الرؤساء التنفيذيين، أسهمت في تضخم غير مسبوق في رواتبهم وثرواتهم خلال العقود الخمسة الماضية، مدفوعةً بازدهار أسواق الأسهم وانتشار نماذج الحوافز طويلة الأجل.
رواتب الرؤساء التنفيذيين تقفز
بيانات طالعها بقش من معهد السياسات الاقتصادية تشير إلى أن رواتب كبار الرؤساء التنفيذيين قفزت بنسبة 1094% خلال الخمسين عاماً الماضية، في حين لم تزد رواتب الموظفين العاديين سوى بنسبة 26% فقط، وهو فارق يعكس اختلالاً هيكلياً في توزيع العوائد داخل الشركات الكبرى.
وفي عام 2024، بلغ متوسط إجمالي رواتب الرؤساء التنفيذيين في شركات مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” نحو 17.1 مليون دولار، بزيادة تقارب 10% مقارنة بعام 2023، وفقاً لشركة “إيكويلار” المتخصصة في تحليلات الشركات.
والأكثر لفتاً للانتباه أن الرئيس التنفيذي بات يتقاضى في المتوسط 192 ضعف ما يتقاضاه الموظف العادي، مقارنة بنسبة 186 إلى 1 قبل عام واحد فقط.
هذا التسارع في الأجور لا يعود إلى الرواتب الأساسية بقدر ما يرتبط بتغيّر طبيعة مكافآت الأسهم. فتعويضات الرؤساء التنفيذيين تتكون عادةً من أربعة عناصر رئيسية هي الراتب، والحوافز قصيرة الأجل، والحوافز طويلة الأجل، إضافةً إلى المزايا المختلفة.
لكن مكافآت الأسهم أصبحت اليوم المكوّن الأثقل وزناً، إذ شكّلت 72% من إجمالي رواتب الرؤساء التنفيذيين في عام 2024، مع ارتفاع متوسط قيمتها بنسبة 15% خلال العام نفسه.
حزمة ماسك نفسها تُعد مثالاً صارخاً على هذا التحول، فهي لا تتضمن أي راتب تقليدي، بل تعتمد بالكامل على أسهم تُمنح وفق تحقيق أهداف محددة.
ولكي يحصل ماسك على كامل قيمة الحزمة، يتعين على تسلا بلوغ مراحل رئيسية، تشمل تحقيق قيمة سوقية معينة وإنجاز أهداف تشغيلية محددة. ومع ذلك، يظل بإمكانه جني مليارات الدولارات حتى في حال عدم تحقيق جميع هذه الأهداف.
ويدافع أعضاء مجالس الإدارات والرؤساء التنفيذيون عن هذه المستويات المرتفعة من الأجور بالقول إن رواتبهم، المرتبطة مباشرة بأداء أسهم الشركات، تعكس الثروة التي تُخلق للمساهمين، ويؤكدون أن مصير الرئيس التنفيذي مرتبط بمصير السهم، فإذا تراجع السعر، تراجع الدخل بشكل حاد.
لكن هذا المنطق لا يحظى بإجماع. فدراسة أجرتها مؤسسة MSCI عام 2021، تناولت حسب قراءة بقش رواتب كبار المديرين التنفيذيين بين عامي 2006 و2020، خلصت إلى وجود علاقة ضعيفة فقط بين ارتفاع رواتب الرؤساء التنفيذيين وأداء الشركات الفعلي.
سارة أندرسون، من معهد الدراسات السياسية، تلخّص جوهر هذا الجدل بقولها إن الاعتقاد السائد بأن الشخص الجالس في المكتب التنفيذي هو المسؤول شبه الوحيد عن قيمة الشركة، بينما يُنظر إلى باقي الموظفين على أنهم عناصر هامشية، “اتضح للجميع أنه غير صحيح”.
وبين أرقام قياسية، وحجج متقابلة، تبقى قصة حزمة رواتب ماسك أكثر من مجرد خبر عن ثروة شخصية، لتصبح مرآة تعكس تحولات عميقة في بنية الاقتصاد العالمي، وسؤالاً مفتوحاً حول من يصنع القيمة فعلاً، ومن يجني ثمارها، وكم باتت المسافة شاسعة بين الطرفين.


