تقارير
أخر الأخبار

المكسيك تتحدى تهديدات ترامب: شريان النفط إلى كوبا لن ينقطع رغم التصعيد والحصار الوشيك

تقارير | بقش

تجد القارة الأمريكية نفسها اليوم على صفيح جيوسياسي ساخن مع بزوغ ملامح مواجهة ديبلوماسية واقتصادية حادة بين مكسيكو سيتي وواشنطن، حيث اختارت الرئيسة المكسيكية كلاوديا شينبوم الوقوف في وجه العاصفة التي يقودها الرئيس دونالد ترامب تجاه دول الجوار.

وفي مشهد يعيد للأذهان حقبة الحرب الباردة ولكن بأدوات اقتصادية حديثة، أكدت شينبوم بلهجة حازمة أن المكسيك لن تتخلى عن كوبا في أحلك ظروفها، مشددةً وفق اطلاع “بقش” على استمرار تدفق شحنات النفط إلى الهافانا كجزء من التزامات إنسانية وسيادية لا تقبل المساومة.

هذا الموقف المكسيكي يأتي في وقت حساس للغاية، حيث تعيد إدارة ترامب رسم خارطة النفوذ في نصف الكرة الغربي، معتمدة على سياسة “الضغط الأقصى” التي لم تعد تكتفي بالعقوبات الاقتصادية، بل باتت تلوح بالتحركات العسكرية المباشرة في المياه الإقليمية والمجالات الجوية المتاخمة.

الصراع الراهن لا يتعلق فقط ببراميل النفط، بل بجوهر السيادة الوطنية في مواجهة تطلعات واشنطن لفرض نظام إقليمي جديد يخلو من أي جيوب شيوعية أو معارضة لنفوذها. فبينما تحاول المكسيك موازنة علاقتها المعقدة مع شريكها التجاري الأكبر، أمريكا، تجد نفسها مضطرة للدفاع عن استقلالية قرارها الخارجي لمنع تحول المنطقة إلى ساحة نفوذ مطلقة للبيت الأبيض. الرئيسة شينبوم، التي تتكئ على إرث سياسي يرفض التبعية، تدرك أن التنازل في ملف المساعدات الإنسانية لكوبا قد يكون فاتحة لتنازلات أكبر تمس السيادة المكسيكية نفسها، خاصة مع تزايد التقارير التي تشير إلى رغبة إدارة ترامب في إخضاع كافة القوى الإقليمية لرؤيتها الأمنية والاقتصادية الصارمة، وهو ما يجعل من ملف النفط الكوبي اختباراً حقيقياً لقوة الإرادة السياسية في القصر الوطني المكسيكي.

وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، تراقب القوى الدولية بقلق تداعيات السقوط المدوي لنظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، والذي ترك كوبا في حالة انكشاف طاقي غير مسبوقة، مما جعل من المساعدات المكسيكية شريان الحياة الوحيد المتبقي للجزيرة المحاصرة.

تحرك أمريكا لاحتجاز مادورو في مطلع يناير من عام 2026 قد غيّر قواعد اللعبة بالكامل، حيث تسعى إدارة ترامب الآن لتوجيه الضربة القاضية للحكومة الشيوعية في كوبا عبر تجفيف ما تبقى من منابع طاقتها.

ومع رصد تحركات عسكرية أمريكية مريبة في المحيط الهادئ والبحر الكاريبي، تصبح التصريحات المكسيكية حول سلامة مجالها الجوي وعدم السماح بأي اختراقات عسكرية بمثابة خط دفاع أول ضد محاولات واشنطن عسكرة النزاع السياسي وتحويل الحصار الاقتصادي إلى طوق عسكري شامل يطبق على خناق الهافانا.

أوضحت الرئيسة كلاوديا شينبوم في مؤتمرها الصحفي الأخير تفاصيل الآلية التي تعتمدها بلادها لتزويد كوبا بالطاقة، مشيرة إلى وجود مسارين منفصلين يحكمان هذه العلاقة الاستراتيجية. المسار الأول يتم عبر عقود تجارية رسمية تبرمها شركة “بتروليوس مكسيكانوس” المعروفة اختصاراً باسم بيمكس، وهي الشركة الوطنية العملاقة التي تعاني أصلاً من ضغوط مالية وتقنية هائلة، ومع ذلك تظل الأداة السيادية الأهم في يد الحكومة المكسيكية لتنفيذ سياساتها الخارجية.

أما المسار الثاني حسب قراءة بقش، وهو الأكثر إثارة للجدل في واشنطن، فيتعلق بالمساعدات الإنسانية المباشرة التي تشمل منحاً نفطية لمواجهة أزمات انقطاع الكهرباء المتكررة في كوبا. وقد حرصت شينبوم على نفي أي إشاعات تتحدث عن تعليق هذه المساعدات تحت وطأة التهديدات الأمريكية، مؤكدة أن المكسيك ستواصل القيام بدورها كقوة إقليمية مسؤولة ترفض استخدام سلاح التجويع والطاقة لتحقيق مآرب سياسية.

على الجانب الآخر من الحدود، وفي أروقة صناعة القرار بواشنطن، تشير تقارير نشرتها مجلة بوليتيكو إلى أن إدارة ترامب لا تنظر إلى هذه الشحنات كعمل إنساني، بل كعقبة أمام استراتيجيتها الشاملة لإسقاط النظام الشيوعي في كوبا. ويقود هذا التوجه المتشدد وزير الخارجية ماركو روبيو، المعروف بمواقفه الصارمة تجاه ما يصفه بـ”محور الاستبداد” في الكاريبي، حيث يدفع نحو فرض حصار نفطي كامل وشامل يمنع وصول أي ناقلة إلى الموانئ الكوبية.

ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن الخيارات المطروحة على طاولة ترامب تتجاوز مجرد العقوبات المالية لتصل إلى إمكانية استخدام القوة البحرية لاعتراض السفن، وهو ما يضع الناقلات المكسيكية في مواجهة مباشرة محتملة مع البحرية الأمريكية، في تصعيد قد يؤدي إلى أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين الجارين اللذين تربطهما حدود برية شاسعة ومصالح اقتصادية بمليارات الدولارات.

تتزامن هذه التوترات السياسية مع تحركات عسكرية ميدانية أثارت حالة من الاستنفار في الأجهزة الأمنية المكسيكية حسب متابعات بقش، خاصة بعد التحذيرات التي أصدرتها إدارة الطيران الفيدرالية في أمريكا لمشغلي الطائرات بضرورة توخي الحذر عند التحليق فوق مناطق في شرق المحيط الهادئ وأجزاء من أمريكا الجنوبية.

المكسيك من جهتها، ومن خلال تصريحات رئيستها، أكدت أنها لم تتلق أي إخطار مسبق بهذه العمليات العسكرية، مما دفعها للمطالبة بتأكيدات خطية من واشنطن تضمن عدم انتهاك السيادة الجوية المكسيكية. هذا القلق المكسيكي لم يأت من فراغ، بل هو نتاج لسياسة ترامب الجديدة التي تتسم بالجرأة العسكرية والتحركات المفاجئة، والتي تهدف إلى إرسال رسالة واضحة مفادها أن أمريكا لن تتسامح مع أي نشاط يدعم خصومها في “حديقتها الخلفية”، وهو مصطلح عاد بقوة إلى القاموس السياسي الأمريكي في عهد الإدارة الحالية.

زر الذهاب إلى الأعلى