
الاقتصاد العالمي | بقش
لم يكن جيفري إبستين مجرد رجل أعمال أمريكي مدان بجرائم استغلال جنسي واتجار بالبشر، بل تكشف الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية، في 30 يناير 2026، عن كونه محور شبكة معقدة تداخلت فيها السلطة السياسية، والنفوذ المالي، والاستخبارات الدولية، والاستثمار عالي المخاطر.
نشرت وزارة العدل الأمريكية أكثر من 3.5 ملايين صفحة و180 ألف صورة ونحو 2000 مقطع فيديو لا يوسّع فقط دائرة الفضيحة الأخلاقية، بل يفتح الباب واسعاً لفهم الوظيفة الاقتصادية والسياسية التي كان يؤديها إبستين داخل منظومة النخب العالمية.
رجل الأعمال الذي لم يُعرَف مصدر ثروته
أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً التي تعود بقوة مع هذه الملفات هو: كيف راكم إبستين ثروته؟. فالوثائق تؤكد أن الرجل لعب دور الوسيط المالي غير الرسمي بين مليارديرات، صناديق تحوّط، سياسيين، وشخصيات سيادية، مقدّماً خدمات تشمل التهرب الضريبي المعقّد، وإدارة الثروات في الملاذات الضريبية، وإخفاء التحويلات المالية الحساسة، وربط رأس المال بالسياسة عبر قنوات غير معلنة.
وقد ظهرت علاقاته مع شخصيات من وول ستريت، أبرزهم ليون بلاك (الأسهم الخاصة)، وبيتر ثيل (رأس المال المغامر)، وأندرو فاركاس (العقارات والموانئ)، وهي علاقات لم تكن اجتماعية فقط، بل تضمنت تحويلات مالية بمئات آلاف الدولارات، واستثمارات غامضة وهدايا موصوفة مالياً بغير الواضحة.
وضمت ملفات قضيته أسماء شخصيات عالمية بارزة، من بينها الأمير البريطاني أندرو، والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، والرئيس الحالي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، إضافة إلى آخرين مثل المغني مايكل جاكسون وحاكم ولاية نيو مكسيكو الأسبق بيل ريتشاردسون.
وطرحت الوثائق سؤالاً جوهرياً هو: لماذا قررت أجهزة الاستخبارات أن تفتح هذه الكنوز مجاناً للقارئ العادي؟ وهل هو حب في الشفافية؟ أم أن هناك رسائل يُراد تمريرها؟
نخبة الأعمال أنكروا معرفته
الوثائق والصور والمراسلات التي نُشرت أخيراً كشفت عن عمق العلاقات التي ربطت المتحرش بالقاصرات جيفري إبستين بنخبة واسعة من الساسة ورجال الأعمال والمشاهير، في تناقض صارخ مع سنوات من الإنكار العلني والادعاءات بعدم معرفته أو الاشمئزاز منه.
وحسب تقرير اطلع عليه بقش لصحيفة “نيويورك تايمز”، فإن هذه الوثائق تُظهر شبكة علاقات مستمرة وودية ومالية، استمرت حتى بعد إدانة إبستين بجريمة جنسية عام 2008، شملت شخصيات من وول ستريت، وهوليوود، وواشنطن، وعالم المال العالمي.
وتبيّن المراسلات أن عدداً من الأسماء النافذة حافظت على تواصل وثيق مع إبستين، وتبادلت معه الدعوات والرسائل الحميمية، بل وخططت لزيارات إلى جزيرته الخاصة، رغم تصريحات لاحقة حاولت تصوير العلاقة على أنها عابرة أو مهنية بحتة. وتُبرز الوثائق تناقضاً لافتاً في مواقف شخصيات مثل إيلون ماسك، الذي قال إنه رفض زيارة جزيرة إبستين، بينما كشفت رسائل إلكترونية سابقة عن حماسه لمعرفة موعد “أروع حفلة” على الجزيرة.
كما أظهرت مراسلات أخرى أن وزير التجارة الأمريكي الحالي هوارد لوتنيك، الذي تحدث عن اشمئزازه من إبستين، سعى لاحقاً لترتيب زيارة عائلية لجزيرته.
في السياق نفسه، كشفت الوثائق عن علاقات مالية وقانونية مع شخصيات شغلت مناصب رسمية أو تعمل في كبرى المؤسسات، من بينها كاثي روملر، المستشارة السابقة في البيت الأبيض، التي أقرت بتقديم خدمات مهنية لإبستين، بينما أظهرت الرسائل نقاشات شخصية وحميمية وتلقّي هدايا ثمينة.
كما سلطت المراسلات الضوء على علاقات وثيقة مع مليارديرات مثل ريتشارد برانسون، وأندرو فاركاس، وبيتر ثيل، حيث كشفت عن شراكات تجارية، وتبادل رسائل ودية، ومدفوعات مالية بمئات آلاف الدولارات، ووجود متكرر لبعضهم في جزيرة إبستين.
وتشير الصحيفة إلى أن إبستين استخدم هذه العلاقات كجزء أساسي من منظومة السيطرة والاستغلال، إذ كان يتباهى أمام ضحاياه بصلاته مع شخصيات نافذة، ويعرض صورهم في منزله، ويجبر الفتيات على الاستماع لمكالماته مع هؤلاء، في رسالة ضمنية مفادها أن نفوذه يحميه ويجعل محاسبته مستحيلة.
كما تكشف الشهادات أن سجل إبستين كمجرم جنسي لم يشكل عائقاً أمام استمرار تواصله مع النخبة، بل كان في بعض الأحيان وسيطاً بين رجال أثرياء وشابات، في مشهد يعكس تواطؤاً أخلاقياً وصمتاً متعمداً.
وتخلص الوثائق إلى أن ما جرى لم يكن مجرد علاقات اجتماعية عابرة، بل شبكة مصالح معقّدة، اختلطت فيها السلطة بالمال والاستغلال، وأن إنكار هذه الشخصيات لاحقاً لم يصمد أمام الأدلة المكتوبة والمصورة، التي أعادت طرح سؤال جوهري حول كيف استمر هذا النظام المغلق في حماية إبستين لسنوات، رغم وضوح الجرائم.
اليمن في الوثائق: رسائل “شاهر عبدالحق”
وزارة العدل الأمريكية أيضاً كشفت عن رسائل متبادلة بين إبستين ورجل الأعمال اليمني الراحل شاهر عبدالحق، ووفق ما نقله نشطاء أظهرت الوثائق تبادلاً طويلاً بين الشخصيتين مزج فيها عبدالحق بين أفكار تجارية، وعلاقة شخصية، وسياسات حول اليمن.
وفق ما كُشف، تناولت الرسائل الأولى “القات” كعادة يومية في اليمن تأخذ الأرض والماء، وطرح فكرة تحويل القات إلى عصير أو مركز لأسواق حيث الورقة غير قانونية، مثل أوروبا وبريطانيا، وطلب من إبستين المساعدة في ربط الأشخاص أو الاستثمار، بينما رد إبستين بأنه سيقوم بإجراء التعريفات لكنه يقول إنه لا يريد أي تورط مالي ويُقدمها كصداقة.
في رسائل لاحقة عن حرب اليمن جادل شاهر بأن اليمنيين ليسوا إرهابيين، وأن عدم الاستقرار يأتي من التأثير الخارجي، خاصة إيران، ودافع بأنه بمجرد استعادة صنعاء سيكون هناك تسلل وعنف أقل، واعتبر الحرب التي تخوضها السعودية غير عادلة ومدفوعة بقوى خارجية.
وحسب المعلومات رد إبستين برأي سياسي قائلاً إنه ساذج بشأن اليمن، لكنه يكرر الادعاءات بأن اليمن وُصفت بأنها مرتبطة بإيران وحزب الله، واقترح أن الولايات المتحدة والسعوديين يريدون إضعاف إيران بشكل غير مباشر من خلال اليمن، واعتبر ذلك الخيار الأفضل التالي إذا لم يتمكنوا من مهاجمة إيران مباشرة، وذكر أن ذلك يمثل رأيه الشخصي وليس دور سياسي.
أيضاً أظهرت الوثائق وجود رسائل لوجستية حول مواقع اللقاء، والسفر عبر أديس أبابا أو دبي أو أبوظبي، وتعريفات للدبلوماسيين أو الوسطاء، وظهرت مذكرة مُعاد توجيهها تطرقت لمحاولة اغتيال لمبعوث أممي.
اعتبر نشطاء هذا التواصل يظهر رجل الأعمال اليمني يحاول التأثير على تفكير إبستين نحو إنهاء الحرب أو على الأقل إعادة صياغة اليمن كضحية لصراعات القوى الخارجية، بينما كان إبستين يستمع ويعلق، ويقدم الوصول لكنه لا يلتزم بالدعوة.
80 مليار دولار: مخطط نهب ليبيا
الوثائق كشفت عن محاولات قادها إبستن استهدفت الوصول إلى أموال ليبيا السيادية المجمّدة في الخارج، مستغلاً حالة الفوضى السياسية والأمنية التي أعقبت سقوط نظام معمر القذافي عام 2011. وتُظهر المراسلات التي تتبَّعها بقش، والتي تعود إلى يوليو من ذلك العام، أن إبستين وشبكة من شركائه سعوا لتحويل الاضطرابات الليبية إلى فرصة استثمارية ومالية ضخمة، عبر تتبع الأصول الليبية المجمدة في عدد من الدول الغربية.
وحسب الوثائق، فإن الأموال الليبية المجمدة كانت تُقدَّر حينها بنحو 80 مليار دولار، من بينها 32.4 مليار دولار مودعة في الولايات المتحدة. ووصفت إحدى الرسائل الإلكترونية هذه الأصول بأنها “مسروقة ومختلسة”، معتبرةً أن قيمتها الحقيقية قد تصل إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف الرقم المعلن، في ظل تعقيدات قانونية ومالية تسمح بإعادة تسعيرها أو استثمارها. كما رأت المراسلات أن ليبيا، بما تملكه من ثروة نفطية وقاعدة بشرية متعلمة، تمثل بيئة خصبة لعمليات مالية وقانونية واسعة النطاق.
ولم تقتصر شبكة إبستين على رجال أعمال ومحامين، بل ضمت مسؤولين سابقين في أجهزة استخبارات دولية، من بينها جهاز الاستخبارات البريطانية “MI6” وجهاز “الموساد” الإسرائيلي، الذين أبدوا استعدادهم للمساهمة في تحديد مواقع الأصول الليبية والعمل على استردادها.
كما جرت مناقشات أولية مع شركات محاماة دولية كبرى للعمل وفق نظام “أتعاب النجاح”، أي عدم تقاضي أي مقابل مالي إلا في حال الفوز بالقضايا المرتبطة بهذه الأموال.
وأشارت المراسلات إلى أن استعادة جزء محدود فقط من هذه الأصول يمكن أن يدر مليارات الدولارات، في وقت كانت التقديرات تتوقع أن تحتاج ليبيا مستقبلاً إلى إنفاق ما لا يقل عن 100 مليار دولار على مشاريع إعادة الإعمار والانتعاش الاقتصادي بعد سنوات من الحرب والانقسام. ويعكس ذلك حجم الرهانات المالية التي ارتبطت بالملف، ومدى الأطماع الدولية المحيطة بالأموال الليبية المجمّدة.
“أرض الصومال”: المياه والنفط والإعلام
أظهرت وثائق أخرى اهتمام إبستين المبكر بإقليم “أرض الصومال” الذي اعترفت به إسرائيل مؤخراً، ليس من باب السياسة فقط، بل باعتباره سوقاً خاماً للاستثمار، ومنطقة منخفضة المخاطر القانونية بسبب غياب الاعتراف الدولي.
ومن أبرز المشاريع التي نوقشت: استثمار المياه قرب ميناء بربرة ونقلها بحراً إلى السعودية، وامتيازات تنقيب نفطي طويلة الأجل، ومشروع إعلامي وسينمائي تحت اسم “صوماليوود”. وهذا النمط يعكس استراتيجية اقتصادية واضحة والاستثمار في المناطق الرمادية قانونياً، حيث تكون الأرباح عالية والمساءلة شبه معدومة.
ومن جانب آخر، اتضح امتلاك إبستين وماكسويل جزراً خاصة، وطائرات نفاثة (منها لوليتا إكسبريس)، وطائرات هليكوبتر خاصة، وعقارات فاخرة في نيويورك والكاريبي، في مشهدٍ لم يعبّر عن مجرد ترف، بل عن بنية تحتية لاقتصاد علاقات تسهيل لقاءات بعيدة عن الرقابة، وتوفير بيئة آمنة للابتزاز، وبناء شبكات مصالح شخصية ومالية وفقاً للتقارير المتداولة التي طالعها بقش، وهو ما يفسر بقاء علاقاته قوية حتى بعد إدانته عام 2008.
خاتمة مفتوحة
يثير توقيت نشر الملفات –وسط توترات دولية كبرى وملفات ساخنة في الشرق الأوسط– تساؤلات جدية حول استخدام الفضيحة كأداة تشتيت، أو كورقة ضغط سياسي على شخصيات نافذة، بينها ترامب.
اقتصادياً، ينعكس اهتزاز سمعة شخصيات مالية كبرى وربط رؤوس أموال ضخمة بفضائح أخلاقية وفتح ملفات استثمارات مشبوهة، على ثقة الأسواق وسمعة الشركات وتدفقات الاستثمار العالمي.
وما تكشفه الملفات يؤكد نظاماً كاملاً استُخدمت فيه الجريمة الجنسية كأداة سيطرة، والمال كوسيلة اختراق، والفوضى السياسية كفرصة استثمارية.
هي قصة مطولة عن اقتصاد الظل العالمي، حيث تتشابك الأخلاق المنهارة مع رأس المال الجشع، وحيث لا تكون الضحايا فقط من الأفراد، بل من الدول والشعوب ومواردها المنهوبة، وما لم يُكشف بعد، وفق اعتراف وزارة العدل نفسها، قد يكون أخطر اقتصادياً وسياسياً مما نُشر حتى الآن.


