الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

الصين تسعى لتدويل اليوان: استراتيجية نحو القوة المالية العالمية وسط تقلبات الدولار

الاقتصاد العالمي | بقش

دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى منح العملة الصينية (اليوان) وضعية عملة الاحتياطي العالمي، مؤكداً أن بناء دولة ذات “قوة مالية عظمى” يمثل هدفاً استراتيجياً طويل الأمد يعتمد على أسس اقتصادية وتكنولوجية راسخة.

هذه الدعوة تأتي في وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين في الأسواق المالية العالمية، وتتصاعد التساؤلات حول مستقبل هيمنة الدولار الأمريكي على التجارة الدولية والاحتياطيات النقدية للدول.

وفي خطاب حديث تابع مرصد “بقش” مقتطفاته من مجلة “كيوشي” الرسمية، حدد الرئيس شي الملامح الجوهرية التي تمنح الدولة صفة القوة المالية العالمية، وأوضح أن الطموح الصيني لا يقتصر على حجم الأصول المصرفية أو الاحتياطيات الأجنبية –التي تتصدر فيها الصين بالفعل– بل يشمل تطوير عملة قوية ذات مصداقية دولية، وبنك مركزي قادر على تنفيذ سياسات نقدية فعالة، ومؤسسات مالية تتمتع بقدرة التأثير في آليات التسعير العالمية وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.

ويشير هذا التوجه إلى رغبة بكين في تعزيز سيادتها النقدية واستقلالها المالي، والانتقال من مجرد لاعب اقتصادي عالمي إلى قوة مالية متكاملة تستطيع التأثير في مسارات الاقتصاد الدولي.

تحديات رقمية وسياسية

ورغم الزخم السياسي حول تدويل اليوان، تشير الأرقام الرسمية إلى فجوة واضحة بين الطموح والواقع الحالي، فوفقاً لتقارير مطلع عام 2026 التي تابعها بقش، يعالج نظام المقاصة الصيني معاملات يومية بمتوسط 100 مليار دولار، مقارنة مع نحو تريليوني دولار يومياً في نظام “CHIPS” الأمريكي.

كما أن حصة الديون الدولية المقومة باليوان لم تتجاوز 0.8%، مما يعكس أن رحلة الصين نحو “السيادة النقدية الكاملة” لا تزال في مراحلها التأسيسية.

على مستوى الأسواق المالية، يرى محللون في بنك “غولدمان ساكس” أن اليوان لا يزال مقوماً بأقل من قيمته العادلة بنسبة تصل إلى 25% مقابل الدولار.

ورغم استقرار العملة الصينية في مواجهة التقلبات التجارية، تبدو الإدارة الصينية حذرة في سياساتها، مفضلة تعزيز قوة اليوان تدريجياً عبر بناء ثقة طويلة الأمد لدى المستثمرين الدوليين، بدلاً من الانخراط في سياسات خفض القيمة التي شهدها العقد الماضي.

استقرار مقابل تقلبات الدولار

هذه التحركات الصينية تتزامن مع مخاوف عالمية متزايدة من تذبذب الدولار، الذي بات يوصف في بعض الدوائر المالية بـ”اليويو” بسبب السياسات المالية الأميركية المتقلبة. وفي هذا السياق، تسعى بكين لتقديم اليوان كخيار أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ في التبادلات التجارية والاستثمارية.

هذا الطرح يكتسب أهمية خاصة بالنسبة للشركاء الاقتصاديين في الأسواق الناشئة والمنطقة العربية، الذين يبحثون عن بدائل لتنويع احتياطياتهم النقدية بعيداً عن المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالدولار.

وقد يفتح نجاح الصين في تعزيز مكانة اليوان على الصعيد الدولي البابَ أمام إعادة توزيع القوى الاقتصادية العالمية، وتقليل الاعتماد على الدولار في التجارة والاحتياطيات، وهو ما سيكون له تداعيات كبيرة على السياسات المالية للبنوك المركزية العالمية وأسواق العملات.

كما يعكس التوجه الصيني رغبة في بناء بنية مالية ومؤسساتية تستطيع التكيف مع الأزمات الاقتصادية العالمية وتقلبات الأسواق، ما يعزز من موقف بكين كلاعب مؤثر في الاقتصاد الدولي.

وتبدو دعوة الرئيس الصيني إلى تدويل اليوان جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد لبناء “قوة مالية عظمى”، تعتمد على مزيج من الاستقرار النقدي، والقوة المؤسسية، والتكنولوجيا المالية المتقدمة، ورغم التحديات الكبيرة والفجوة بين الطموح والواقع، فإن الصين تمضي قدماً في ترسيخ سيطرتها المالية الدولية، مستغلةً ضعف الاستقرار النسبي للدولار في الأسواق العالمية، ومقدمةً نفسها كخيار أكثر موثوقية للمستثمرين والشركاء التجاريين على الصعيد العالمي.

زر الذهاب إلى الأعلى