نزيف التريليون دولار: كيف تحولت ألمانيا من “رجل أوروبا القوي” إلى ضحية الأزمات العالمية المتلاحقة؟

تقارير | بقش
تواجه ألمانيا، التي طالما اعتبرت القاطرة التي تقود القارة الأوروبية نحو الاستقرار والنمو، لحظة مكاشفة قاسية مع بروز أرقام تعكس حجم التآكل الذي أصاب بنيتها الاقتصادية خلال السنوات الست الماضية. لم يعد الحديث اليوم يدور حول تباطؤ عابر أو دورة اقتصادية طبيعية، بل عن فاتورة باهظة تجاوزت قيمتها تريليون دولار، وهي حصيلة سلسلة من الصدمات التي ضربت استقرار برلين في مقتل.
فمنذ تفشي جائحة كورونا التي شلت سلاسل الإمداد، وصولاً إلى اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا التي أنهت حقبة الطاقة الرخيصة، وجدت الماكينة الألمانية نفسها أمام واقع جيوسياسي واقتصادي جديد لم تعد فيه القواعد القديمة للنجاح صالحة للاستخدام، مما أدى إلى خسارة تراكمية في الناتج المحلي الإجمالي لم يكن أشد المتشائمين يتوقعها قبل عقد من الزمان.
هذا الانهيار الصامت في القيمة المضافة لا يمثل مجرد أرقام في ميزانيات الحكومة، بل هو زلزال يضرب الرفاه الاجتماعي الذي اعتاد عليه المواطن الألماني؛ حيث تشير البيانات التي تتبَّعها “بقش” إلى أن كل موظف في البلاد خسر فعلياً ما يعادل 20 ألف يورو من دخل القيمة المضافة نتيجة هذه الأزمات.
وفي ظل تصاعد التوترات التجارية مع أمريكا، وتحديداً مع عودة سياسات الحماية الجمركية التي ينتهجها الرئيس ترامب، باتت الصادرات الألمانية، وهي العمود الفقري للاقتصاد، تعاني من ضغوط مزدوجة بين ارتفاع تكاليف الإنتاج داخلياً وإغلاق الأسواق خارجياً. هذا المزيج الانفجاري دفع بمعهد الاقتصاد الألماني (IW) إلى إطلاق تحذير هو الأقوى من نوعه، مؤكداً أن العقد الحالي بات يتسم بصدمات استثنائية تجاوزت في حدتها أزمة الركود في مطلع الألفية وحتى الأزمة المالية العالمية في عام 2008.
اليوم، تقف الحكومة في برلين أمام معضلة وجودية؛ فمن جهة هناك ضغوط شعبية لتعظيم الإنفاق الاجتماعي لمواجهة التضخم الذي نهش القوة الشرائية، ومن جهة أخرى هناك التزامات عسكرية متزايدة تفرضها بيئة أمنية أوروبية مضطربة، وكل ذلك في ظل قيود دستورية صارمة على الاقتراض الحكومي.
ومع تسجيل نمو هزيل لم يتجاوز 0.2% في عام 2025، يبدو أن ألمانيا تكافح فقط للبقاء فوق خط الركود، بينما ترصد تقارير اقتصادية دولية، ومن بينها تحليلات شبكة بلومبيرغ، تراجعاً مطرداً في جاذبية ألمانيا كمركز للاستثمار الصناعي.
ما يحدث الآن هو إعادة تشكيل قسرية للهوية الاقتصادية الألمانية، حيث تجد الدولة نفسها مضطرة لدفع ثمن اعتمادها الطويل على الغاز الروسي والأسواق المفتوحة في وقت يتحول فيه العالم نحو الانغلاق والمواجهات التجارية الكبرى.
كشفت الدراسة التفصيلية الصادرة عن معهد الاقتصاد الألماني، التي اطلع عليها بقش، أن الفجوة بين الواقع الاقتصادي الفعلي وبين السيناريو الذي كان مفترضاً تحقيقه لولا وقوع هذه الأزمات قد اتسعت لتصل إلى 940 مليار يورو، أي ما يعادل 1.11 تريليون دولار أمريكي. وقد اعتمد الباحث ميشيل غروملينغ في منهجيته على مقارنة المسار الحالي للناتج المحلي الإجمالي بمتوسط وتيرة النمو التي حققتها ألمانيا على مدار العقود الثلاثة الماضية، ليخلص إلى أن النشاط الاقتصادي لم ينجح في تجاوز مستويات عام 2019 إلا بصعوبة بالغة وبشكل غير مستدام.
وتكمن خطورة هذا الرقم في كونه يعكس خسارة دائمة في القدرة الإنتاجية وليس مجرد تراجع مؤقت، حيث إن عدم نمو الاقتصاد الألماني لثلاث سنوات متتالية تقريباً خلق فجوة تراكمية يصعب ردمها في الأمد القريب، خاصة مع استمرار الضغوط الهيكلية التي تمنع الشركات من التوسع أو ضخ استثمارات جديدة في السوق المحلية.
ويعزى ربع هذه الخسائر الضخمة بشكل مباشر إلى العام الماضي فقط، والذي شهد تصعيداً كبيراً في النزاعات الجمركية مع إدارة الرئيس ترامب، حيث تسببت سياسة “أمريكا أولاً” في إرباك حسابات المصدرين الألمان الذين يعتمدون بشكل حيوي على السوق الأمريكية. إن التهديدات بفرض رسوم جمركية مرتفعة على السيارات والآلات الألمانية لم تؤدِ فقط إلى تراجع الصادرات، بل خلقت حالة من اليقين السلبي دفعت العديد من الشركات الكبرى إلى نقل مراكز إنتاجها خارج ألمانيا لتفادي هذه الرسوم، وهو ما وثقته بلومبيرغ في تقارير عدة حول “هروب الرساميل” من الصناعة الألمانية. هذا التوجه نحو المواجهة التجارية بين واشنطن وبرلين أعاد للأذهان سيناريوهات الحروب التجارية التي تضعف الحلفاء، وجعل ألمانيا تدفع فاتورة سياسية واقتصادية مضاعفة لكونها الطرف الأكثر انكشافاً في منظومة التجارة العالمية.
وفي سياق متصل، لا يمكن فصل هذا النزيف المالي عن التداعيات المستمرة للحرب الروسية في أوكرانيا، والتي كانت بمثابة رصاصة الرحمة على نموذج الأعمال الألماني القائم على الغاز الرخيص. فقد أدى التوقف المفاجئ لإمدادات الغاز وارتفاع تكاليف الطاقة إلى فقدان الصناعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة ميزتها التنافسية، مما أجبر بعض المصانع على الإغلاق الدائم أو تقليص ساعات العمل.
وحسب تحليل معهد الاقتصاد الألماني، فإن تكاليف الطاقة المرتفعة لم تكن مجرد عبء مالي، بل تحولت إلى عائق هيكلي يحول دون حدوث أي انتعاش صناعي حقيقي، حيث تآكلت هوامش الربح للشركات المتوسطة والصغيرة التي تمثل عصب الاقتصاد الألماني، مما أدى في نهاية المطاف إلى تراجع القيمة المضافة الإجمالية وتعميق الفجوة الاقتصادية التي بدأت مع جائحة كورونا.
أما على الصعيد الداخلي، فقد أدت هذه الأزمات المتشابكة إلى شلل تدريجي في القدرة الشرائية للأسر الألمانية، وهو ما انعكس سلباً على الطلب المحلي الذي كان يفترض أن يكون صمام الأمان للاقتصاد. فمع ارتفاع معدلات التضخم الناتجة عن أزمة الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد، اضطر المستهلك الألماني إلى تقليص نفقاته بشكل حاد، مما أدخل قطاع الخدمات والتجارة في دوامة من الركود الفعلي.
وتوضح الدراسة أن الجزء الأكبر من التريليون دولار المفقود يعود إلى تراجع الاستهلاك الخاص والاستثمار الرأسمالي، حيث فضلت الشركات الاحتفاظ بالسيولة أو استثمارها في الخارج بدلاً من تحديث بنيتها التحتية داخل ألمانيا وفق قراءة بقش، وهو ما يعكس فقدان الثقة في قدرة الاقتصاد الوطني على التعافي السريع في ظل التجاذبات السياسية بين برلين وواشنطن.
يُظهر التحليل التاريخي للمعهد أن الأزمة الراهنة هي “الأكثر كلفة في تاريخ ألمانيا الحديث”، متفوقة بمراحل على خسائر الركود التي حدثت بين عامي 2001 و2004 والتي بلغت 360 مليار يورو، وحتى على خسائر الأزمة المالية العالمية في 2008 التي قدرت بنحو 525 مليار يورو. إن الفارق الجوهري يكمن في أن الأزمات السابقة كانت ذات طبيعة مالية أو دورية يمكن علاجها بضخ السيولة، أما الأزمة الحالية فهي أزمة هيكلية وجيوسياسية تضرب أسس النموذج الألماني.
ومع تزايد المطالبات بتخفيف “كبح الدين” الدستوري لتمويل التحول الصناعي والإنفاق العسكري، تظل ألمانيا عالقة بين سندان الالتزامات الدولية ومطرقة التراجع الاقتصادي، في مشهد يؤكد أن زمن النمو السهل والمضمون قد ولى إلى غير رجعة.


