أخبار الشحن
أخر الأخبار

لماذا أصبح استقرار الصومال مفتاح أمن البحر الأحمر؟

أخبار الشحن | بقش

لم تعد اضطرابات الأسواق العالمية تحتاج إلى زلازل اقتصادية كبرى كي تنكشف هشاشتها، ويكفي أن تهتز طرق الشحن، أو يتعطل ممر بحري استراتيجي، حتى تتساقط الأقنعة عن منظومة التجارة الدولية.

في هذا السياق، يبرز البحر الأحمر وخليج عدن بوصفهما اليوم أحد أخطر بؤر التوتر الجيوسياسي في العالم، حيث تتقاطع الأزمات الأمنية مع الحسابات الاقتصادية، وتتداخل الصراعات الإقليمية مع مصالح القوى الدولية الكبرى.

وتشير أحدث القراءات إلى أن ما يجري في هذه المنطقة لم يعد شأناً محلياً أو نزاعاً عابراً على خطوط الملاحة، بل أصبح عاملاً مؤثراً في أسعار الطاقة، وأمن الغذاء، واستقرار الاقتصادات العربية والعالمية حسب تقارير مرصد “بقش”، ومع تصاعد الاهتمام الدولي بهذا الممر البحري الحيوي، يظل عنصر محوري مغيباً أو مُستخفاً به في كثير من النقاشات: الصومال.

البحر الأحمر في قلب العاصفة

يمثل البحر الأحمر أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والسلع بين آسيا وأوروبا، مروراً بقناة السويس وباب المندب، وانعكست الاضطرابات اللاحقة للحرب الإسرائيلية على غزة فوراً على تكاليف الشحن، وأسعار النفط، وسلاسل التوريد العالمية، حيث تحولت هذه المياه إلى مسرح مفتوح لتوترات متصاعدة، تشمل هجمات قوات صنعاء على السفن المرتبطة بإسرائيل، وسباقاً دولياً على الوجود العسكري، وتنافساً محموماً على النفوذ في السواحل المقابلة لشبه الجزيرة العربية.

وفي هذا المشهد المضطرب، لا يمكن فصل أمن البحر الأحمر عن استقرار الضفة الأفريقية، وتحديداً القرن الأفريقي، حيث تقع الصومال في موقع جغرافي بالغ الحساسية، يجعلها لاعباً لا غنى عنه في معادلة الأمن البحري.

ولطالما جرى اختزال الصومال في صورة الدولة الهشة الغارقة في الصراعات، لكن هذا التصور لم يعد يعكس الواقع بدقة. فالصومال تمر اليوم بمرحلة انتقالية معقدة لكنها ذات اتجاه واضح نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادتها، واستعادة دورها الإقليمي. موقعها الجغرافي عند ملتقى العالم العربي وأفريقيا، وعلى تماس مباشر مع باب المندب وخليج عدن، يمنحها أهمية استراتيجية تتجاوز حدودها الوطنية.

امتلاك الصومال لأطول ساحل في أفريقيا القارية يجعلها خط الدفاع الأول عن أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم حسب اطلاع بقش، وأي فراغ أمني أو سياسي على هذا الساحل لا يبقى محصوراً داخل الأراضي الصومالية، بل يمتد أثره سريعاً إلى الخليج العربي، وشرق أفريقيا، والأسواق العالمية.

أمن الصومال: استثمار عربي

بالنسبة للدول العربية، لا يُنظر إلى دعم استقرار الصومال بوصفه عملاً تضامنياً فقط، بل باعتباره استثماراً استراتيجياً مباشراً في أمنها القومي، فاستقرار الصومال يساهم في احتواء التهديدات العابرة للحدود، من قرصنة وتهريب وتطرف، قبل وصولها إلى السواحل العربية. كما أنه يقلص فرص القوى الخارجية المعادية لترسيخ وجود عسكري دائم في خاصرة البحر الأحمر.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في بنية الدولة الصومالية، سواء على مستوى الحوكمة الفيدرالية، أو إعادة تنظيم القوات الأمنية، أو تحسين الإدارة المالية العامة، كما استعادت مقديشو حضورها الدبلوماسي في جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، وسعت إلى شراكات قائمة على المصالح المتبادلة، لا على منطق التبعية.

ولا تقتصر أهمية الصومال على الجانب الأمني، بل تمتد إلى بعدها الاقتصادي واللوجستي. فعضويتها في تجمع شرق أفريقيا تضعها في قلب واحدة من أسرع المناطق نمواً من حيث السكان والاستهلاك، ومع تسارع التحضر والتوسع الديموغرافي في شرق أفريقيا، تبرز الصومال كحلقة وصل طبيعية بين رؤوس الأموال الخليجية والأسواق الأفريقية الصاعدة.

وتشير تقارير إلى أن الاستثمار في الموانئ الصومالية، وممرات النقل، والبنية التحتية البحرية، يمكن أن يحول البلاد إلى مركز لوجستي إقليمي، يعزز مرونة سلاسل الإمداد العربية، ويدعم الأمن الغذائي، ويمنح الدول العربية منفذاً استراتيجياً مستقلاً نحو العمق الأفريقي والمحيط الهندي. لكن هذه الإمكانات تظل رهينة عامل واحد حاسم هو الأمن.

تصاعد التنافس الدولي وأزمة السيادة

مع احتدام التوتر في البحر الأحمر، تزايدت المخاوف العربية من محاولات قوى خارجية استغلال هشاشة بعض المناطق الأفريقية لفرض وقائع جديدة، وبرزت هنا تطورات مثيرة للقلق، من بينها تحركات أحادية الجانب تهدف إلى إيجاد موطئ قدم عسكري على السواحل الصومالية، بما يهدد بإقحام صراعات الشرق الأوسط في بيئة الخليج والقرن الأفريقي، خصوصاً بعد اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال.

وطُرحت أحاديث عن نقل أزمات أخرى، مثل مأساة غزة، إلى الأراضي الأفريقية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي ولمبدأ سيادة الدول وكرامة الشعوب، ومثل هذه السيناريوهات لا تهدد الصومال وحدها، بل تفتح الباب أمام فوضى إقليمية ممتدة، وتحوّل البحر الأحمر إلى ساحة صراع دائم.

من جانب آخر، تناول بقش تغيرات السياسة تجاه هذه المنطقة الحساسة، إذ فتحت آفاقاً للتنسيق بين إسرائيل والهند والإمارات وإثيوبيا، فيما أثارت قلقاً فورياً لدى كل من بكين وأنقرة والقاهرة والرياض. وينصبّ تركيز هذا التحالف الرباعي على تأمين الممرات البحرية الحيوية في خليج عدن وباب المندب، وتهيئة بدائل استراتيجية لمبادرة الحزام والطريق الصينية في شرق أفريقيا.

وجاء الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال بعد أشهر من تصاعد التوترات في المنطقة، بما في ذلك حرب الـ12 يوماً الإسرائيلية الإيرانية في يونيو 2025 والحصار البحري اليمني على السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية.

ويُعد هذا المحور البحري جزءاً أساسياً من استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي، حيث تمنح أرض الصومال، بموقعها المطل على أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم، منصة لتثبيت وجود إسرائيلي وأمني، واستقطاب الاستثمارات التكنولوجية والدفاعية، كما تمنح الاعتراف الرسمي شرعية سياسية للكيان الذي مارس الحكم الذاتي لأكثر من ثلاثة عقود.

زر الذهاب إلى الأعلى