الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

بعد تعديلات مساحات الذرة.. سمعة بيانات الزراعة الأمريكية تهتز

الاقتصاد العالمي | بقش

ذكرت وكالة “رويترز” أن وزارة الزراعة الأمريكية تواجه شكوكاً متزايدة، بعد أن كانت بياناتها مرجعاً أساسياً للأسواق الزراعية العالمية، إذ تعتمد عليها الحكومات، والمزارعون، وشركات الأغذية، وتجار السلع في استشراف اتجاهات الإنتاج والأسعار والمخزونات، لكن موجة التعديلات الواسعة التي أُدخلت مؤخراً على تقديرات مساحات الذرة المزروعة والمحصول المحصود في الولايات المتحدة فتحت باباً واسعاً للشكوك، وألقت بظلال ثقيلة على سمعة الوزارة بوصفها “المعيار الذهبي” في الإحصاءات الزراعية.

وفي يناير الماضي أعلنت وزارة الزراعة الأمريكية تقديرات نهائية لمساحات الذرة المحصودة خلال موسم 2025 جاءت أعلى بشكل لافت مقارنة بالتقديرات الأولية الصادرة في يونيو من العام نفسه وفق اطلاع “بقش”. وأحدثت هذه القفزة المفاجئة ارتدادات قوية في الأسواق، إذ تراجعت أسعار العقود الآجلة للحبوب بأكثر من 5%، في وقت يعاني فيه المزارعون الأمريكيون أصلاً من هوامش ربح ضيقة بسبب انخفاض الأسعار.

المثير للقلق أن حجم هذه التعديلات يُعد غير مسبوق مقارنة بالأنماط التاريخية، حيث درجت تقديرات المساحات المحصودة، خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، على الانخفاض الطفيف بين يونيو ويناير نتيجة عوامل الطقس أو تعذر الحصاد. أما هذه المرة، فقد جاء الاتجاه معاكساً تماماً.

الذرة: محصول استراتيجي

تكمن خطورة هذه التعديلات في أن الذرة ليست محصولاً عادياً في الاقتصاد الأمريكي، فهي العمود الفقري لصناعات متعددة، بدءاً من الأعلاف الحيوانية، مروراً بإنتاج الإيثانول، وصولاً إلى صناعات غذائية واسعة تشمل المحليات الصناعية ومنتجات استهلاكية يومية، وبالتالي فإن أي خطأ في تقدير حجم المساحات أو الإنتاج لا ينعكس على المزارعين وحدهم، بل يمتد أثره إلى سلاسل الإمداد وأسعار الغذاء والطاقة.

ويربط العديد من الخبراء بين هذه الإخفاقات الإحصائية وبين التخفيضات الواسعة في عدد موظفي وزارة الزراعة الأمريكية خلال العام الماضي، ضمن حملة ترامب لتقليص حجم الحكومة الفيدرالية، فقد غادر آلاف الموظفين الوزارة، ما أثار مخاوف جدية بشأن قدرة الوكالات التابعة لها على جمع البيانات ومعالجتها بدقة وفي الوقت المناسب.

وتشير بيانات حكومية تتبَّعها بقش إلى أن وكالة خدمات المزارع فقدت قرابة ربع موظفيها، بينما خسرت خدمة الإحصاءات الزراعية الوطنية أكثر من ثلث قوتها العاملة، وأدى هذا النزيف البشري إلى تباطؤ في معالجة بيانات الزراعة وإرسالها بين الوكالات، ما حرم خدمة الإحصاءات من صورة مكتملة عند إعداد تقديراتها.

اضطراب المؤسسة

وصف بعض المحللين بيانات الوزارة الأخيرة بأنها تعكس مؤسسة تعاني من اضطراب داخلي، فالتغييرات المتلاحقة في التقديرات، من أغسطس 2025 إلى سبتمبر ثم إلى يناير 2026، أربكت المزارعين والتجار على حد سواء، وقلّصت قدرتهم على إدارة المخاطر واتخاذ قرارات البيع والتخزين في الوقت المناسب.

كما عبّر مزارعون عن استغرابهم من عجز الوزارة عن تقديم تقدير أدق في يونيو، خاصة أن عمليات الزراعة كانت شبه مكتملة آنذاك، وهو ما كان يفترض أن يرفع مستوى الثقة في البيانات الأولية.

وأمام هذا الجدل، أطلقت خدمة الإحصاءات الزراعية الوطنية مراجعة داخلية لإجراءاتها، بهدف التأكد من أن آليات جمع البيانات وتحليلها سارت كما ينبغي، وتبحث الوزارة في خيارات لتحسين تقديرات المساحات المحصودة مستقبلاً، وربما تقليل الاعتماد على المسوحات التقليدية للمزارعين، في ظل تزايد ترددهم في المشاركة بهذه الاستطلاعات.

وحسب قراءة بقش تقرير رويترز، يرى مسؤولو الوزارة أن بعض العوامل الموضوعية قد تفسر جزئياً هذه الزيادة، مثل تحسن الأحوال الجوية مقارنة بسنوات سابقة، واتساع رقعة الزراعة، واستقرار مساحات الذرة المخصصة للسيلاج. غير أن هذه التبريرات لم تُقنع كثيراً من المتعاملين في السوق.

ساهمت هذه التقديرات المتقلبة في تعقيد قرارات المزارعين، الذين أرجأ كثير منهم بيع المحصول بسبب انخفاض الأسعار، دون أن يدركوا أن حجم الزراعة كان أكبر مما هو معلن في البداية. ومع كل تعديل جديد، كانت الأسعار تتعرض لضغوط إضافية، ما عمّق خسائرهم وأضعف الثقة في البيانات الرسمية.

وتأتي هذه الأزمة في سياق أوسع من الجدل حول جودة البيانات الحكومية في الولايات المتحدة، خاصة بعد إقالة مسؤولين حكوميين سابقاً على خلفية بيانات اقتصادية ضعيفة. ويخشى مراقبون من أن يؤدي تسييس المؤسسات أو إضعافها إدارياً إلى تقويض مصداقية الإحصاءات التي تقوم عليها الأسواق.

وتشير كافة التقديرات إلى أن أزمة تعديلات مساحات الذرة كشفت عن خلل بنيوي يتجاوز خطأً إحصائياً عابراً، فهي تضع وزارة الزراعة الأمريكية أمام تحدٍ يتمثل في استعادة ثقة المزارعين والأسواق، عبر تعزيز الكوادر، وتحسين أدوات جمع البيانات، وضمان الشفافية في تفسير التعديلات المستقبلية، فبدون بيانات دقيقة وموثوقة، تصبح إدارة المخاطر أكثر صعوبة، وتفقد الأسواق أحد أهم أعمدتها التي طالما اعتمدت عليها.

زر الذهاب إلى الأعلى