تصعيد فرنسي أوروبي ضد أمريكا.. أوروبا تعيش لحظة فاصلة في علاقتها مع ترامب وهيمنة الدولار

الاقتصاد العالمي | بقش
يبدو أن العلاقات الأوروبية الأمريكية تشهد منعطفاً حاداً مع تصعيد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لهجته تجاه الولايات المتحدة، محذراً من صدام وشيك مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومعلناً أن أوروبا تقف أمام “طوارئ جيوسياسية وجيواقتصادية” تهدد تماسكها وسيادتها الاقتصادية.
وهذا التصعيد، الذي جاء عبر سلسلة مقابلات وتصريحات تابعها مرصد “بقش” تزامنت قبيل قمة بروكسل، أكد على تغير كبير وانتقال من إدارة الخلافات بهدوء إلى الدعوة لمواجهة مباشرة، سواء في ملف التنظيم الرقمي أو في معركة كسر هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي.
ماكرون يرفع سقف الخطاب
في مقابلة مع صحف أوروبية بارزة من بينها “لوموند” و”فاينانشال تايمز”، حذّر ماكرون من أن إدارة ترامب تتعامل مع الاتحاد الأوروبي بعداء صريح وتسعى، على حد تعبيره، إلى “تفكيك” الاتحاد، وأكد أن أوروبا بحاجة إلى موقف أكثر صرامة، محذراً من أن سياسة الانتظار أو الرهان على تسويات مؤقتة لم تعد مجدية.
وقال ماكرون بوضوح إن الولايات المتحدة “ستهاجم أوروبا خلال الأشهر المقبلة”، مرجحاً أن يكون تنظيم الاتحاد الأوروبي للخدمات الرقمية الشرارة الأولى لهذا الصدام، في ظل استعداد واشنطن للرد عبر فرض رسوم جمركية جديدة.
ويركز أحد محاور التصعيد الأساسية على قانون الخدمات الرقمية الأوروبي، الذي يستهدف الحد من نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى وحماية الأطفال والمستخدمين من المحتوى الضار والإدمان الرقمي. ويرى ماكرون أن هذا المسار سيضع الاتحاد الأوروبي في مواجهة مباشرة مع واشنطن، خصوصاً أن شركات التكنولوجيا المتضررة هي شركات أمريكية بالدرجة الأولى.
ووفق اطلاع بقش، أشار إلى أن فرنسا وإسبانيا قد تكونان في مقدمة الدول المستهدفة بردود فعل أمريكية، على خلفية مقترحاتهما المتعلقة بحظر استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، كما اعتبر أن أي رد أمريكي محتمل، سواء عبر الضغط السياسي أو العقوبات التجارية، يجب أن يُقابل بموقف أوروبي موحد.
أوروبا تتحرك.. وحظر يهدد شركات عملاقة
لا يقتصر التوجه الأوروبي على فرنسا وحدها، إذ تبحث دول عدة، من بينها بريطانيا والبرتغال والدنمارك واليونان والنرويج وبولندا والنمسا وايرلندا وهولندا، اتخاذ إجراءات مماثلة للحد من تأثير منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال والمراهقين.
ومن شأن هذه الخطوات أن تؤثر بشكل مباشر على شركات أمريكية عملاقة مثل “ميتا” المالكة لـ”فيسبوك” و”إنستغرام”، و”سناب إنك”، ومنصة “X” المملوكة لإيلون ماسك، و”يوتيوب” التابعة لغوغل، إلى جانب “تيك توك”. كما سيؤدي أي حظر أوروبي محتمل إلى حرمان ملايين المستخدمين الشباب من هذه الخدمات، وإلى خسائر إعلانية كبيرة للشركات المرتبطة بهذه الفئة العمرية.
في هذا السياق، وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وسائلَ التواصل الاجتماعي بأنها “دولة فاشلة”، في تعبيرٍ يؤكد حجم القلق الأوروبي المتنامي من تأثير هذه المنصات.
ويحذر مراقبون من أن هذه الخلافات تأتي في وقت أصبحت فيه الشراكة العابرة للأطلسي، التي شكّلت أحد أعمدة النظام العالمي طوال نحو ثمانية عقود، على شفا الانهيار، فقد كانت أوروبا هدفاً متكرراً لغضب ترامب، سواء في ملفات التجارة أو الدفاع أو التكنولوجيا.
في هذا الإطار، شدد ماكرون على أن أوروبا لا تتحرك بالسرعة الكافية في تعاملها مع الولايات المتحدة، ولا تعمل بالحجم المناسب لمواجهة التحديات، مؤكداً أن اللحظة الحالية يجب أن تكون “لحظة يقظة” تعيد صياغة الأولويات الأوروبية.
“طوارئ جيوسياسية وجيواقتصادية”
في تصريح أكثر شمولاً، حذّر ماكرون من أن أوروبا تواجه حالة طوارئ مزدوجة، جيوسياسية وجيواقتصادية، تتطلب تحركاً سريعاً وحاسماً، ودعا إلى “عدم الانخداع” بأي هدوء مؤقت في العلاقات مع واشنطن، معتبراً أن انتهاء التوترات حول ملفات مثل جرينلاند أو التجارة لا يعني تحولاً دائماً في الموقف الأمريكي.
وأشار إلى ما وصفه بـ”لحظة جرينلاند” باعتبارها جرس إنذار، في إشارة إلى تجدد أطماع ترامب في السيطرة على الجزيرة القطبية، وهو الملف الذي أثار قلقاً واسعاً داخل الاتحاد الأوروبي.
وكان ترامب جدد في منتصف ديسمبر الماضي رغبته في شراء جرينلاند، مُحدثاً أزمة دبلوماسية عنيفة رافقتها تهديدات أثرت على مستقبل حلف “الناتو” حسب تقارير مرصد بقش، وقوبلت مساعي وتهديدات ترامب برفض حازم من الدنمارك، التي أكدت أن أراضيها “ليست للبيع”، كما شدد رئيس وزراء جرينلاند على أن مستقبل الجزيرة يقرره شعبها وحده.
في هذا السياق، قال وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في يناير الماضي إنه “ليس هناك شك” في أن الاتحاد الأوروبي لن يترك دولة تُهاجم حدوده السيادية، مؤكداً أن جرينلاند ستظل جزءاً من أراضي الاتحاد الأوروبي.
معركة الدولار: من السياسة إلى الاقتصاد
إلى جانب التصعيد السياسي، فتح ماكرون جبهة اقتصادية لا تقل حساسية، داعياً إلى مواجهة “هيمنة الدولار” على النظام المالي العالمي، ورأى أن الاعتماد المفرط على العملة الأمريكية يقوض السيادة الاقتصادية الأوروبية ويجعل القارة عرضة للضغوط الجيوسياسية.
دعا ماكرون إلى إطلاق مبادرة اقتراض مشترك بين الدول الـ27، عبر إصدار ديون أوروبية مشتركة “يوروبوند”، لتمويل الاستثمارات الاستراتيجية وتعزيز تنافسية الاتحاد الأوروبي في مواجهة الولايات المتحدة والصين.
تصريحات ماكرون جاءت بعد أيام من كشف صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية عن مذكرة سرية أعدتها المفوضية الأوروبية، جرى تداولها بين نواب وزراء المالية، تناولت إعادة تقييم موقع اليورو في النظام النقدي العالمي في ظل تزايد مخاطر تسييس النظام المالي الدولي.
وحسب ما ورد، ناقشت الوثيقة خيارات متعددة لتعزيز الدور الخارجي لليورو، من بينها توسيع إصدار الديون المشتركة، وتشجيع أدوات مالية رقمية مقوّمة باليورو، وتعزيز البنية التحتية الأوروبية للمدفوعات ضمن الاتفاقات التجارية الجديدة.
ودخل البنك المركزي الأوروبي على الخط. فوفق تتبُّع بقش، يعمل البنك على خطة بشروط أكثر سخاء لاتفاقيات إعادة الشراء باليورو، تتيح للبنوك المركزية الأجنبية اقتراض العملة الموحدة مقابل ضمانات، بهدف تعزيز استخدامها عالمياً في الاستثمار والإقراض والتجارة.
وتشمل الخطة خفض أسعار الفائدة، وتوحيد القواعد، وتخفيف الحدود القصوى للاقتراض، مع توسيع آلية Eurep التي أُنشئت خلال أزمة كوفيد في 2020، والتي كانت متاحة سابقاً لثماني دول فقط.
هذه التحركات جاءت ضمن استراتيجية أوسع تقودها رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، للاستفادة مما وصفته بـ”اللحظة العالمية لليورو”، وسط السياسات الاقتصادية الأمريكية المتقلبة في عهد ترامب، التي أعادت طرح تساؤلات حول مستقبل هيمنة الدولار.
ويرى اقتصاديون أن تسهيل الوصول إلى سيولة باليورو يمكن أن يعزز الدبلوماسية الاقتصادية الأوروبية، خاصة إذا ترافقت هذه الخطوات مع اتفاقيات تجارة حرة جديدة، مثل الاتفاق الأخير مع الهند.
وهناك عدد من كبار المسؤولين الماليين الذين رحبوا بهذه التوجهات، منهم لودوفيك سوبران، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة أليانز، الذي وصف تسهيلات إعادة الشراء بأنها خطوة ذكية إذا أرادت أوروبا ممارسة دبلوماسية اقتصادية حقيقية. كما اعتبر الرئيس التنفيذي لبنك سوسيتيه جنرال الفرنسي سلافومير كروبا أن هذه الأدوات تدعم النمو ونفوذ أوروبا عالمياً.
هذا ويكشف تصعيد ماكرون عن لحظة مفصلية في تاريخ الاتحاد الأوروبي، حيث لم يعد الصراع مع واشنطن مقتصراً على الخلافات التجارية أو التقنية، بل امتد إلى جوهر السيادة السياسية والاقتصادية، وبين مواجهة تنظيمية مع شركات التكنولوجيا ومعركة مالية ضد هيمنة الدولار وتوترات جيوسياسية حول جرينلاند، تبدو أوروبا أمام خيارين لا ثالث لهما، إما تسريع خطوات التكامل والاعتماد على الذات، أو البقاء في دائرة رد الفعل أمام سياسات أمريكية أكثر صدامية.


