الأرقام تتحدث عن العجز والإفلاسات.. كيف وقعت أمريكا في فخاخ ترامب الاقتصادية؟

الاقتصاد العالمي | بقش
دخل الاقتصاد الأمريكي عام 2026 محملاً بتناقضات حادة، فهناك أرقام توظيف رسمية إيجابية من جهة، ومن جهة أخرى يتسارع العجز المالي والدَّين العام وموجة الإفلاسات غير المسبوقة منذ جائحة كورونا، وفي قلب هذه الصورة المعقدة تقف السياسات الاقتصادية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تبدو عاملاً رئيسياً في إعادة تشكيل المشهد المالي والاقتصادي للولايات المتحدة، ولكن بكلفة متزايدة تضغط على أكبر اقتصاد في العالم.
في أحدث البيانات الرسمية، توقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبلغ عجز الموازنة الأمريكية في السنة المالية 2026 نحو 1.853 تريليون دولار، أي ما يعادل 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، ورغم أن هذا المستوى قريب من عجز 2025 البالغ 1.775 تريليون دولار، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى ترسخ عجز مرتفع لسنوات طويلة.
المقلق ليس الرقم السنوي فحسب، بل المسار الممتد لعقد كامل، إذ يُتوقع أن يبلغ متوسط العجز 6.1% من الناتج المحلي خلال السنوات العشر المقبلة، ليصل إلى 6.7% بحلول 2036، وهو مستوى يفوق بكثير هدف وزارة الخزانة بخفض العجز إلى نحو 3%.
مدير مكتب الموازنة وصف الوضع بأنه “عجز كبير ومستمر غير مألوف تاريخياً”، خصوصاً أن الاقتصاد لا يمر بحالة ركود عميق، بل يُتوقع أن يبقى معدل البطالة دون 5% خلال العقد المقبل، أي إن الولايات المتحدة تسجل عجزاً بحجم أزمات كبرى، في ظروف اقتصادية يُفترض أن تكون مستقرة نسبياً.
قانون “واحد كبير جميل”.. دفعة قصيرة الأجل وكلفة طويلة الأمد
أعاد ترامب إحياء تخفيضات الضرائب لعام 2017، ووسع الحوافز الضريبية للاستثمار، وقلص الإنفاق على برامج اجتماعية هامة وحساسة مثل “ميديكيد”، ضمن مشروعه التشريعي الذي يحمل اسم “قانون واحد كبير جميل”. هذه الإجراءات -وغيرها- تمنح دفعة قصيرة الأجل للاستهلاك والاستثمار في 2026، لكنها، وفق تقديرات مكتب الموازنة التي اطلع عليها “بقش”، ستضيف نحو 4.7 تريليونات دولار إلى العجز خلال عشر سنوات.
كما أن تراجع الهجرة –نتيجة سياسات التشدد– سيكلف الخزانة نحو 500 مليار دولار إضافية، عبر إبطاء نمو القوة العاملة وتقليص القاعدة الضريبية، ما يُضعف قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مرتفع ومستدام.
في المقابل، تعوّل الإدارة على الرسوم الجمركية لتعويض جزء من الفجوة، إذ يُتوقع أن تقلص العجز بنحو 3 تريليونات دولار خلال عشر سنوات، لكن هذه الإيرادات لا تكفي لمعادلة أثر التخفيضات الضريبية، كما أنها تأتي بكلفة تضخمية وضغوط على سلاسل الإمداد والشركات المستوردة.
وتتجاوز التوقعات مجرد عجز سنوي مرتفع، لتصل إلى قفزة تاريخية في الدين العام. فمن المتوقع أن يرتفع إجمالي الدين إلى 56.1 تريليون دولار في 2036، أي ما يعادل 120% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ99% في 2025.
بحلول 2030، ستتجاوز نسبة الدين إلى الناتج المحلي ذروتها المسجلة بعد الحرب العالمية الثانية عام 1946، حين بلغت 106%، غير أن ديون ما بعد الحرب كانت مدفوعة بإنفاق استثنائي أعقبته طفرة نمو سكاني وصناعي. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة تواجه تباطؤاً ديموغرافياً ونمواً متوقعاً لا يتجاوز 1.8% في المتوسط خلال العقد المقبل.
الأكثر إثارة للقلق، حسب قراءة بقش للبيانات، أنّ تكاليف خدمة الدين وحدها مرشحة للتضاعف أكثر من مرتين، لتصل إلى تريليوني دولار في 2035، مقارنة بـ970 مليار دولار في 2025، أي إن الفوائد وحدها ستلتهم حصة متزايدة من الموازنة، على حساب الإنفاق الاستثماري والاجتماعي.
صدمة أسعار الفائدة.. والاحتياطي الفيدرالي لا يستجيب
تعتمد استراتيجية ترامب الاقتصادية على فرضية نمو قوي يتراوح بين 3% و4%، بل تشير بعض التقديرات في إدارته إلى إمكانية تسجيل نمو فصلي يتجاوز 6% بدعم من استثمارات الذكاء الاصطناعي والمصانع الجديدة، لكن مكتب الموازنة أكثر تحفظاً، متوقعاً نمواً عند 2.2% في 2026 ثم 1.8% في المتوسط لاحقاً.
كما أن تأثير الذكاء الاصطناعي على الإنتاجية يُقدَّر بنحو 0.1 نقطة مئوية سنوياً فقط، وهو ما يقلص رهانات الإدارة على طفرة تكنولوجية سريعة تعوض العجز.
في الوقت نفسه، لا تبدو الأسواق المالية متحمسة لخفض سريع في تكاليف الاقتراض، إذ يُتوقع أن تبلغ عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات نحو 4.3% في 2027، مع ترجيح خفض محدود للفائدة بمقدار ربع نقطة فقط هذا العام. وبذلك تتبدد آمال خفض جذري للفائدة، ما يرفع كلفة الاقتراض على الحكومة والشركات والأسر.
موجة إفلاسات.. العاصفة الأخطر
بالتوازي مع اتساع العجز وارتفاع الدين، يشهد قطاع الشركات موجة تعثر مالي هي الأعلى منذ جائحة كورونا، فقد تقدمت 9 شركات كبرى بطلبات إفلاس خلال أسبوع واحد، ليرتفع المتوسط إلى 6 حالات خلال ثلاثة أسابيع وهو معدل لم يُسجل منذ 2020، وفق البيانات التي رصدها “بقش” أمس الأربعاء.
خلال ثلاثة أسابيع فقط، انهارت 18 شركة كبرى تتجاوز التزامات كل منها 50 مليون دولار، وهذا المستوى من الإفلاسات لم يحدث تاريخياً إلا في أوقات الأزمات الكبرى: ركود 2001، الأزمة المالية العالمية 2008، وجائحة كورونا.
يؤكد هذا التطور أن البيئة التمويلية صعبة للغاية، وأن تكاليف الاقتراض هائلة، إلى جانب ضغوط على هوامش الربح نتيجة الرسوم الجمركية والتضخم، فالشركات المثقلة بالديون تجد نفسها أمام أسعار فائدة مرتفعة، وطلب استهلاكي متذبذب، وبيئة تجارية تتسم بعدم اليقين.
ورغم اتضاح صورة كل هذه الضغوط، أشارت بيانات رسمية إلى أن الاقتصاد الأمريكي أضاف 130 ألف وظيفة في يناير 2026، بأعلى من المتوقع، ما أوحى بصلابة نسبية في سوق العمل، لكن هذه القوة قد تمنح الاحتياطي الفيدرالي مبرراً للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، في ظل تضخم يتجاوز الهدف البالغ 2%.
بعبارة أخرى: متانة التوظيف قد تتحول إلى سلاح ذي حدين، فهي تدعم الدخل والإنفاق، لكنها تؤخر تخفيف السياسة النقدية، ما يفاقم كلفة التمويل ويضغط على الشركات المثقلة بالديون.
الضربات الاقتصادية لسياسات ترامب
يمكن تلخيص الضربات التي يتلقاها الاقتصاد الأمريكي جراء سياسات ترامب الحالية في عدة محاور مترابطة:
- اتساع العجز البنيوي نتيجة تمديد التخفيضات الضريبية دون مصادر تمويل مستدامة.
- تضخم الدَّين العام إلى مستويات تاريخية تتجاوز ما بعد الحرب العالمية الثانية.
- ارتفاع تكاليف خدمة الدَّين بما يزاحم الإنفاق الإنتاجي.
- تراجع الهجرة بما يقلص نمو القوة العاملة والإيرادات الضريبية.
- ضغوط الرسوم الجمركية التي تزيد تكاليف الشركات والمستهلكين.
- استمرار أسعار الفائدة المرتفعة في ظل تضخم وعجز كبيرين.
- تصاعد موجة الإفلاسات بما يعكس هشاشة في قطاع الأعمال.
الاقتصاد الأمريكي لا يزال الأكبر عالمياً، ويتمتع بقدرات ابتكارية ومالية هائلة، غير أن مسار العجز والدين يطرح أسئلة عميقة حول الاستدامة المالية، فالعجز المرتفع أصبح سمة هيكلية ولم يعد مرتبطاً فقط بأزمات طارئة، والدَّين المتضخم لم يعد مجرد رقم بل بات عبء فوائد متزايد يحد من مرونة السياسة المالية.
قد تمنح سياسات ترامب دفعة نمو قصيرة الأجل عبر التخفيضات الضريبية والحوافز الاستثمارية، لكنها –كما تقول الأرقام– تضع الاقتصاد على مسار مالي أكثر هشاشة على المدى الطويل، وبين تفاؤل الإدارة وتقديرات المؤسسات المستقلة، يُطرح السؤال حول قدرة أكبر اقتصاد في العالم على مواصلة الاقتراض بوتيرة متسارعة دون أن يدفع ثمناً أكبر في شكل تضخم أعلى، وفائدة أطول، وإفلاسات أوسع.


