
الاقتصاد العالمي | بقش
تمر أسواق العملات المشفرة بواحدة من أقسى دورات الهبوط منذ نشأتها، بعدما فقدت قرابة 2 تريليون دولار من قيمتها السوقية خلال بضعة أشهر فقط، في تراجُعٍ يطرح أسئلة حول طبيعة هذه الأصول وحدود قدرتها على الصمود أمام الصدمات المالية والمضاربات المفرطة.
فمنذ بلوغ عملة “بيتكوين” ذروتها التاريخية فوق 126 ألف دولار في أكتوبر 2025، دخلت السوق في مسار هابط حاد، لتتراجع العملة المشفرة الأكبر عالمياً إلى نحو 67 ألف دولار في تداولات لندن التي يتتبَّعها مرصد “بقش”، أي بانخفاض يقارب 47% عن القمة.
وفي أوائل فبراير الجاري، لامست مستويات قريبة من 60 ألف دولار، متخليةً عن المكاسب التي سجلتها عقب إعادة انتخاب ترامب رئيساً لأمريكا، وهو المعروف بمواقفه الداعمة لقطاع الأصول الرقمية.
تصفية رهانات بمليارات الدولارات
وفق بيانات وتقارير مالية دولية طالعها بقش، تسارعت وتيرة الهبوط بعد موجة تصفيات قسرية ضخمة طالت مراكز شراء متفائلة تجاوزت قيمتها 19 مليار دولار، وعمّقت هذه التصفية الجماعية خسائر السوق، وأطلقت سلسلة من الانخفاضات المتلاحقة في ظل سيولة متقطعة وحالة ذعر بين المستثمرين.
العملات البديلة – وهي الرموز الرقمية الأصغر والأكثر عرضة للمضاربات – كانت الأكثر تضرراً، إذ تكبدت خسائر حادة مع تقلص شهية المخاطرة وتزايد الضغوط على الشركات المدرجة، وكشف هذا التراجع هشاشة النماذج المالية لبعض الكيانات المرتبطة بالقطاع، خاصة تلك التي تعتمد على ارتفاع الأسعار المستمر لدعم تقييماتها.
ووفق منصة “كوين غيكو”، فإن القيمة الإجمالية لسوق العملات المشفرة انخفضت بنحو تريليوني دولار منذ أكتوبر، في واحدة من أسرع موجات تبخر الثروة الرقمية في تاريخ الصناعة.
وأعاد هذا الانهيار إحياء نقاش قديم حول هوية بيتكوين: هل هي أصل عالي المخاطر يتحرك بالتوازي مع الأسهم، أم “ذهب رقمي” يلجأ إليه المستثمرون وقت الاضطرابات؟
في مراحل سابقة، أظهرت بيتكوين ارتباطاً وثيقاً بأسواق الأسهم، خصوصاً أسهم التكنولوجيا، وفي أوقات أخرى روّج أنصارها لفكرة كونها ملاذاً آمناً بديلاً عن الذهب، لكن تحركاتها الهبوطية منذ أكتوبر لم تنسجم مع أي من هاتين السرديتين، إذ تراجعت بشكل حاد حتى في فترات لم تشهد فيها الأسواق التقليدية اضطرابات مماثلة، ما زاد من غموض موقعها في المحافظ الاستثمارية.
ويربط بعض قادة الصناعة بداية موجة التفكك باضطراب شهدته إحدى العملات المستقرة المرتبطة بالعائد التابعة لمشروع “إيثينا”، والتي فقدت ارتباطها بالدولار لفترة وجيزة على منصة “بينانس”، متراجعة إلى 65 سنتاً. هذا الخلل أدى إلى سلسلة من عمليات التصفية القسرية، وأحدث صدمة واسعة في السوق.
ويرى مطورون في القطاع أن تلك الحادثة سرّعت انفصال بيتكوين عن مسار الأسهم، وأطلقت ديناميكية هبوط ذاتية التغذية، حيث تؤدي الخسائر إلى تصفيات إضافية، فتتسع دائرة التراجع، ومع ذلك يعتقد بعضهم أن التصحيح الحاد ربما ساهم في “تنظيف النظام” من المراكز المبالغ في حجمها والاختلالات المتراكمة خلال موجة الصعود السابقة.
ولم تسلم عملة إيثيريوم من العاصفة، إذ يتداول رمزها “إيثر” قرب 2000 دولار، منخفضاً بنحو 60% عن ذروته المسجلة في أغسطس 2025 حسب مراجعات بقش.
حذر وتشاؤم.. تحليل الوضع الراهن
رغم المشهد القاتم، اتسمت بعض الفعاليات الدولية بنبرة أكثر تفاؤلاً. ففي مؤتمر “كونسينسِس” في هونغ كونغ، دعا مسؤولون في منصات تداول كبرى المستثمرين إلى عدم تقييم السوق من خلال “لقطة زمنية واحدة”، مؤكدين أن التقلبات جزء طبيعي من دورات الأصول الرقمية.
بعض التنفيذيين اعتبروا أن الأسعار الحالية تمثل فرصة للشراء على المدى الطويل، مستندين إلى تاريخ السوق الذي شهد دورات صعود وهبوط متعاقبة. ويرى مستثمرون مخضرمون أن التقلب الحاد سمة ملازمة لأصل لا يزال في مرحلة مبكرة من تطوره.
في المقابل، صدرت توقعات أكثر تشاؤماً من مديري صناديق استثمارية، إذ رجّح بعضهم استمرار الهبوط خلال الأشهر المقبلة، مع إمكانية تراجع بيتكوين إلى حدود 35 ألف دولار بحلول سبتمبر 2026، وربما إلى مستويات أدنى مع نهاية العام، إذا استمرت ضغوط السيولة وتراجعت شهية المخاطرة عالمياً.
تأثير السياسات الأمريكية
على صعيد آخر، ساهمت السياسات الأمريكية في تشكيل مزاج السوق، فقد أقرت إدارة ترامب تشريعات تهدف إلى تنظيم قطاع الأصول الرقمية وتعزيز نموه، كما شهدت الأسواق إدراج شركات بارزة في البورصة خلال العام الأول من ولايته الثانية، كذلك تخطط شركات دولية، من بينها كيانات مقرها هونغ كونغ، للإدراج في بورصة ناسداك عبر عمليات اندماج عكسي.
عززت هذه الخطوات صورة الولايات المتحدة كمركز جاذب لصناعة التشفير، غير أن الزخم التنظيمي لم يكن كافياً لوقف موجة البيع الأخيرة، ما يشير إلى أن العوامل التقنية والسلوكية – مثل المراكز الممولة بالاقتراض والتصفية القسرية – لعبت دوراً أكثر تأثيراً في المدى القصير.
ما تعيشه السوق اليوم يعيد إلى الأذهان فترات سابقة عُرفت بـ”شتاء العملات المشفرة”، حيث تنكمش الأسعار وتتراجع السيولة وتتسع دائرة الإفلاسات. لكن الفارق هذه المرة أن الصناعة باتت أكبر حجماً وأكثر اندماجاً في النظام المالي العالمي، ما يجعل تداعيات التراجع أوسع أثراً.
وتقف سوق العملات المشفرة اليوم عند مفترق طرق، فإما أن يثبت القطاع قدرته على امتصاص الصدمة وإعادة بناء الثقة تدريجياً، أو أن يدخل مرحلة هبوط أطول تعيد تقييم أسس النمو التي قامت عليها الطفرة الأخيرة.


