
تقارير | بقش
جاء إعلان إسرائيل الاعتراف الرسمي بأرض الصومال ليكون تطوراً يتجاوز رمزيته السياسية إلى إعادة صياغة مشهد اقتصادي أمني بالغ الحساسية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وبقيت أرض الصومال، منذ إعلان انفصالها عن الصومال عام 1991، كياناً مستقراً نسبياً من حيث المؤسسات والأمن الداخلي مقارنة ببقية الأراضي الصومالية، لكنها ظلت خارج دائرة الاعتراف الدولي الرسمي، وقد حرمها هذا الوضع من الاندماج الكامل في النظام المالي العالمي، ومن الوصول المباشر إلى التمويل متعدد الأطراف، وأبقاها في هامش الاقتصاد الدولي رغم موقعها الجغرافي الاستثنائي.
اليوم، يمنحها الاعتراف الإسرائيلي زخماً سياسياً قد يتحول إلى رافعة اقتصادية، إذا ما تُرجم إلى استثمارات فعلية وشراكات تقنية وتجارية وفق قراءة “بقش”، لكن أهمية هذه الخطوة تكمن في تموضعها ضمن شبكة مصالح إقليمية أوسع، تتداخل فيها أبوظبي وتل أبيب وهرغيسا، وتطلّ من خلفها حسابات أمريكية وأوروبية وصينية.
باب المندب: قلب المعادلة
تقع أرض الصومال على مقربة مباشرة من مضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية للتجارة العالمية، ومع تصاعد التوترات خلال العامين الماضيين ارتفعت تكاليف التأمين والشحن، وأعيد إدراج أمن الممرات البحرية في صدارة أولويات القوى الإقليمية والدولية.
في هذا السياق، لا يبدو الاعتراف الإسرائيلي خطوة اقتصادية بحتة بقدر ما هو تثبيت موطئ قدم جيواستراتيجي قريب من خطوط التجارة الحيوية، يمنح تل أبيب قدرة أكبر على مراقبة التحركات في محيط باب المندب وخليج عدن، والتعامل مع التهديدات التي قد تطاول مصالحها التجارية والأمنية.
وفي قلب هذه التحولات يبرز ميناء بربرة باعتباره الحلقة الأهم في أي تصور لتحويل أرض الصومال إلى محور تجاري إقليمي، فمنذ دخول موانئ دبي العالمية إلى إدارة وتطوير الميناء عام 2017، أصبح المشروع جزءاً من رؤية أوسع لإعادة توزيع مراكز الثقل اللوجستي في القرن الأفريقي.
الاستثمار الإماراتي ارتبط آنذاك بالأزمة الخليجية (مقاطعة قطر)، وبخلافات مع جيبوتي بشأن إدارة ميناء دوراليه، ما دفع أبوظبي إلى البحث عن بدائل استراتيجية، ومن هنا جاء الرهان على بربرة، وربطه بممر بري نحو إثيوبيا، في محاولة لبناء محور تجاري يقلّص اعتماد أديس أبابا شبه الكامل على جيبوتي.
إثيوبيا، الدولة الحبيسة التي يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة، تمثل سوقاً ضخمة وحاجة دائمة إلى منافذ بحرية مستقرة ومتنوعة، وإذا ما نجح تطوير الممر اللوجستي بين بربرة والحدود الإثيوبية، فقد يتحول الميناء إلى منفذ حيوي يغيّر معادلات التجارة في الإقليم.
الاعتراف الإسرائيلي
يرى عدد من الباحثين في شؤون القرن الأفريقي الذين تتبَّع بقش تقديراتهم، أنّ الدوافع الاقتصادية المباشرة وراء الاعتراف الإسرائيلي ليست العامل الحاسم، بل تأتي في إطار استراتيجية أوسع ترتبط بالأمن الإقليمي وتوازنات النفوذ، لكن ذلك لا ينفي احتمال أن تكون المكاسب الاقتصادية الأكبر من نصيب أرض الصومال نفسها.
فالاعتراف السياسي يمثل بوابة لزيادة ثقة المستثمرين، ويفتح المجال أمام شركات إسرائيلية للعمل في مجالات تمتلك فيها خبرة متقدمة، مثل التكنولوجيا الزراعية، وإدارة الموارد المائية، والرقمنة، والرعاية الصحية، وهذه القطاعات تمثل احتياجات ملحّة لاقتصاد ناشئ يسعى إلى تنويع موارده وتقليل هشاشته.
وتفيد تقارير بأن إدماج ميناء بربرة في شبكة الموانئ التي تديرها شركة موانئ دبي العالمية، يعزز فرصة أن يصبح الميناء جزءاً من منظومة شحن متكاملة تمتد من الخليج إلى شرق أفريقيا، ما يمنحه ميزة تنافسية في جذب خطوط الملاحة والاستثمارات اللوجستية.
من جانب آخر، ارتبطت التطورات الجارية بالتنافس الدولي المتصاعد في القرن الأفريقي، حيث عززت الصين حضورها في جيبوتي عبر قاعدة عسكرية واستثمارات ضخمة في البنية التحتية، ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، وأثار هذا الوجود قلق دوائر في واشنطن، ودفع إلى البحث عن ترتيبات بديلة تضمن عدم احتكار بكين لمفاتيح الممرات البحرية الحيوية.
ما يتبلور حالياً يمكن وصفه بنمط من التعاون يضم إسرائيل والإمارات وأرض الصومال، مع احتمالات انخراط أطراف أخرى مثل إثيوبيا وربما قوى أوروبية، والهدف المعلن هو تعزيز التنمية والاستثمار والاستقرار، لكن الدافع الضمني يرتبط أيضاً بالممرات البحرية وإعادة توزيع النفوذ في منطقة تتقاطع فيها التجارة بالطاقة بالأمن.
وبالنسبة لإسرائيل والإمارات، فالمسألة تتجاوز شراكة اقتصادية تقليدية، لتصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لتأمين طرق التجارة، وتوسيع النفوذ، وإعادة رسم خريطة الموانئ والعقد اللوجستية في البحر الأحمر.


