الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

في قبضة الحصار الأمريكي: كوبا على حافة الانهيار الشامل بين العتمة والجوع والهجرة

الاقتصاد العالمي | بقش

تشهد كوبا اليوم واحدة من أكثر مراحلها قتامة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، فالتطورات المتسارعة خلال الأسابيع الأخيرة تكشف أن الجزيرة تقف أمام حصار اقتصادي أمريكي يتخذ أشكالاً أكثر إحكاماً وتعقيداً، ويستهدف شريان الطاقة تحديداً منذ 09 يناير الماضي، بما يهدد بإغراق البلاد في عتمة شاملة وانهيار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.

وبدأت الأزمة بالظهور على السطح مع إعلان هافانا أن مخزون وقود الطائرات أوشك على النفاد، في إشارة خطيرة إلى اختناق الإمدادات النفطية وفق متابعات مرصد “بقش”، غير أن تداعيات هذا النقص لم تقتصر على قطاع الطيران، بل امتدت سريعاً إلى شبكة الكهرباء والنقل والصناعة والسياحة.

وتعاني كوبا اليوم من انقطاعات كهرباء واسعة النطاق، وتعطل محطات توليد الطاقة، وتراجع حاد في الإنتاج الصناعي، وتتسع الفجوة بين الإنتاج المحلي المحدود من الطاقة والاحتياجات اليومية بشكل مطرد، فيما تبدو قدرة الحكومة الكوبية على التعويض شبه معدومة في ظل القيود المفروضة على وصول شحنات النفط.

ولا يقتصر الضغط الأمريكي، وفق المعطيات المتاحة، على العقوبات التقليدية، بل يشمل منع تدفق النفط الفنزويلي المهم إلى كوبا والتهديد بفرض رسوم أو عقوبات على أي دولة أو شركة تزود الجزيرة بالوقود، وبهذا المعنى يتحول ملف الطاقة إلى أداة خنق جيوسياسية مباشرة، تضرب العمود الفقري للاقتصاد الكوبي.

السياحة على رأس الضحايا

تُعد السياحة الرئة التي تتنفس منها كوبا العملة الصعبة، لكن هذه الرئة بدأت تختنق سريعاً. وتشير قراءات “بقش” إلى أنّ منتجع فاراديرو، الذي كان يوماً أيقونة السياحة الكوبية، أصبحت فيه الشواطئ شبه خالية، ومع إعلان نفاد وقود الطائرات علّقت شركات طيران كبرى رحلاتها، من بينها وست جت وترانسات، ما يعني إلغاء مئات بل آلاف الرحلات حتى نهاية موسم الشتاء.

السياحة التي حققت نحو 1.3 مليار دولار من النقد الأجنبي في 2024، أي قرابة 10% من عائدات التصدير وفق معلومات جمعها بقش، تواجه الآن شبح الانهيار الكامل.

وتراجع عدد الزوار إلى 1.8 مليون في 2025 مقارنة بـ2.2 مليون في العام السابق، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عقدين، ومع توقف الرحلات الروسية والكندية، يُتوقع أن ينخفض العدد أكثر، ما يحرم الاقتصاد من آخر مصادر العملة الصعبة المنتظمة.

ويُعتبر انهيار السياحة بداية لتوقف سلسلة واسعة من الأنشطة، مثل الفنادق، المطاعم، النقل، الإرشاد السياحي، والخدمات اللوجستية، وكل ذلك يحدث في اقتصاد يعاني أصلاً من انكماش بلغ 11% خلال خمس سنوات.

تآكل الصحة والتعليم.. والفقر مدقع

طويلاً قدمت كوبا نفسها بوصفها نموذجاً في الرعاية الصحية والتعليم المجانيين، وهما الركيزتان اللتان ارتبطتا باسم “فيدل كاسترو”، غير أن التقارير الميدانية الأخيرة التي تابعها بقش، ومنها ما نشرته صحيفة “إل بايس” الإسبانية، ترسم صورة مختلفة جذرياً.

المستشفيات تعاني من اختفاء الأدوية، ونقص المستلزمات الأساسية، وهجرة الكوادر الطبية، وتراجعت نسبة الأطباء من طبيب لكل 350 شخصاً في الثمانينيات إلى طبيب لكل 1500 شخص حالياً.

الجامعات قلصت برامجها ومنحها بسبب أزمة الطاقة، وتعطلت العملية التعليمية في كثير من المناطق نتيجة الانقطاعات الكهربائية.

ويتزايد الضغط الأمريكي لخفض تدفقات العملات الأجنبية إلى كوبا، إذ تعيد عدة دول النظر في اتفاقيات استقبال الأطباء الكوبيين تحت ضغط واشنطن. ويُعدّ إرسال البعثات الطبية إلى الخارج مصدراً رئيسياً للعملات الأجنبية في الجزيرة، وقد بلغ الدخل المحوّل من هؤلاء 7 مليارات دولار عام 2025، وفق الأرقام الرسمية.

وتشير كوبا إلى أن 24 ألفاً من مواطنيها العاملين في مجال الرعاية الصحية كانوا يمارسون أنشطتهم في 56 دولة العام الماضي، أكثر من نصفهم (13 ألفاً) في فنزويلا.

الأرقام الاجتماعية أكثر فداحة، فالتقديرات تشير إلى أن 89% من السكان يعيشون في فقر مدقع، بمتوسط رواتب لا يتجاوز 15 دولاراً شهرياً، وترافَقَ هذا الواقع مع موجة هجرة غير مسبوقة، حيث انخفض عدد السكان من 11 مليوناً إلى 8.5 ملايين بين 2022 و2024. ومن جانب آخر، فقدت الدولة ربع سكانها تقريباً خلال عامين، في خسارةٍ لرأس مالها البشري ومستقبلها الديموغرافي.

شبح الحصار البحري

وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، حذر في تصريحات اليوم الأربعاء من خطط لفرض حصار بحري كامل على الجزيرة، داعياً الولايات المتحدة إلى التفاوض بدلاً من التصعيد، وذلك خلال لقاء لافروف مع نظيره الكوبي في موسكو.

ويعيد الحديث عن حصار بحري أمريكي إلى الأذهان أزمات الحرب الباردة، ويضع كوبا مجدداً في قلب صراع نفوذ دولي، لكن الفارق أن الاقتصاد الكوبي اليوم أكثر هشاشة، والعالم أكثر تشابكاً، وأدوات الضغط المالي واللوجستي أكثر فاعلية.

ويحذر دبلوماسيون ومسؤولو الأمم المتحدة في الجزيرة من مخاطر تفشي الأمراض واتساع نطاق الجوع، في ظل تعطل الخدمات الأساسية. وفي المقابل، أبدى الرئيس الكوبي ميجيل دياز كانيل استعداداً للحوار، معلناً – مؤخراً – أن بلاده منفتحة على إجراء محادثات مع الولايات المتحدة “من دون شروط مسبقة ومن موقع الند للند”.

ويمكن قراءة ما يجري باعتباره استراتيجية ضغط متعددة المستويات تستهدف الطاقة (منع تدفق النفط وإرباك سلاسل الإمداد)، والسياحة (قطع شريان العملة الصعبة)، والاستقرار الاجتماعي (دفع معدلات الفقر والهجرة والجريمة إلى مستويات تهدد التماسك الداخلي).

وهذه المقاربة تخلق بيئة ضغط داخلي تدفعها إلى تقديم تنازلات سياسية، غير أن التاريخ يشير إلى أن مثل هذه الاستراتيجيات غالباً ما تُثقل كاهل المجتمعات أكثر مما تغيّر الأنظمة.

يصف بعض الاقتصاديين الكوبيين الوضع الراهن بأنه “أسوأ بكثير من الفترة الخاصة”، فالبلاد تشهد انقطاعات شاملة للطاقة، وشللاً في السياحة، وتراجعاً في الخدمات الأساسية، وتفككاً اجتماعياً، وهجرة جماعية، وكل ذلك -وفق التقارير- يجري في وقت واحد.

فداحة الحصار الأمريكي على كوبا اليوم لا تقاس بحجم الخسائر الاقتصادية فحسب، ولكن بعمق التشققات التي يُحدثها في بنية المجتمع والدولة معاً، فخنق جزيرة كاملة عبر شريان الطاقة يحوّل الأزمة من اقتصادية إلى وجودية تمس حياة الملايين يومياً، وتضع بلداً بأكمله على حافة مستقبل غامض.

زر الذهاب إلى الأعلى