
الاقتصاد العالمي | بقش
كشف تقرير أمريكي أن التراجع الفعلي في العبء الضريبي على المليارديرات تحول إلى عامل قد يغيّر ملامح التوازن الاقتصادي في الولايات المتحدة، في ظل تنامي اعتماد النشاط الاقتصادي على إنفاق شريحة ضيقة من فاحشي الثراء.
ووفق التقرير الذي اطلع عليه “بقش”، من وول ستريت جورنال، فإن انخفاض العبء الضريبي الفعلي على المليارديرات في الولايات المتحدة يهدد التوازن الهيكلي للاقتصاد الأمريكي، مشيراً إلى أن اقتصاد أمريكا أصبح أكثر حساسية لتحركات أسواق المال، لأن إنفاق الأسر الأكثر ثراءً يرتبط مباشرة بقيمة محافظها الاستثمارية. وبذلك، فإن أي هبوط حاد في أسواق الأسهم قد ينعكس سريعاً على الاستهلاك والاستثمار، ما يهدد بتوسيع دائرة التباطؤ الاقتصادي إذا تعرضت الأصول المالية لهزة كبيرة.
واستناداً إلى بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، بلغت حصة أعلى 1% من الأسر الأمريكية من إجمالي الثروة الوطنية 32% في الربع الثالث من عام 2025، بقيمة تقدر بنحو 54.8 تريليون دولار، وهي أعلى مستوياتها منذ ثلاثة عقود. أما الشريحة الأضيق، التي تمثل 0.1% من الأسر وتضم المليارديرات، فقد ارتفعت حصتها إلى 14.4% من صافي الثروة.
في المقابل، تقلصت حصة النصف الأدنى من الأسر إلى 2.5% فقط، مقارنة بـ3.5% في تسعينيات القرن الماضي، ما يعكس اتساع فجوة التفاوت بشكل لافت.
وتُظهر بيانات شركة موديز التي راجعها بقش أن أغنى 20% من الأمريكيين يستحوذون حالياً على نحو 60% من إجمالي الإنفاق الشخصي، بعدما كانت نسبتهم تقارب 50% مطلع التسعينيات، وهو ما يعني أن المحرك الاستهلاكي للاقتصاد يتركز أكثر فأكثر في القمة.
تكدس الثروة: اشترِ، اقترض، ثم مت
هذا التحول لم يبقَ محصوراً في الأرقام، بل امتد إلى سلوك الشركات وفقاً للصحيفة، فالعلامات التجارية التي تخاطب شريحة الأثرياء للغاية تواصل تحقيق أداء قوي، بينما تواجه الشركات التي تعتمد على الطبقة الوسطى الميسورة ضغوطاً في المبيعات، ما يعكس انتقال القوة الشرائية تدريجياً إلى قمة الهرم الاجتماعي.
ورغم أن أعلى 1% من أصحاب الدخل يسهمون بنحو 40% من حصيلة ضرائب الدخل الفيدرالية، فإن جزءاً كبيراً من ثروات المليارديرات لا يمر عبر قنوات ضريبة الدخل التقليدية، فكثير منهم يتجنب الرواتب المرتفعة، ويفضل الحصول على تعويضات في صورة أسهم، كما يعتمد بعضهم على الاقتراض بضمان أصوله بدلاً من بيعها، لتفادي ضرائب أرباح رأس المال، في استراتيجية تُعرف باسم “اشترِ، اقترض، ثم مت”.
وتشير وول ستريت جورنال إلى دراسة صادرة عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، أكدت أن معدل الضريبة الفعلي المفروض على أغنى 400 شخص في الولايات المتحدة يبلغ نحو 24%، مقابل 45% لأصحاب أعلى الدخول المعتمدة على الأجور.
وسط هذا الجدل، برزت مبادرة في ولاية كاليفورنيا لفرض رسم استثنائي لمرة واحدة بنسبة 5% على ثروات المقيمين الذين تتجاوز أصولهم مليار دولار، بهدف تعويض فجوة تمويل في القطاع الصحي بعد تقليصات فدرالية في برنامج ميديكيد، لكن هذا المقترح يواجه اعتراضات متعلقة بإمكانية تطبيقه عملياً، ومخاوف من انتقال بعض الأثرياء إلى ولايات أخرى، بما قد ينعكس على الاستثمارات وفرص العمل.
تخلُصُ الصحيفة إلى أن استمرار انخفاض العبء الضريبي الفعلي على المليارديرات، بالتوازي مع تركز غير مسبوق للثروة والإنفاق، قد يجعل الاقتصاد الأمريكي أكثر عرضة لتقلبات الأسواق المالية، وأمام هذا الواقع يعود النقاش حول العدالة الضريبية ليطرح نفسه باعتباره مسألة استقرار اقتصادي طويل الأمد، لا مجرد سجال سياسي عابر.


