الاقتصاد العربي
أخر الأخبار

رمضان في غزة: حكايات العيش اللاإنساني

الاقتصاد العربي | بقش

مع حلول شهر رمضان لهذا العام، يواجه الفلسطينيون النازحون في قطاع غزة ظروفاً إنسانية أقل ما يمكن وصفها أنها قاهرة بشكل هائل، إذ ما زال الحصار الإسرائيلي والقيود المفروضة على المعابر يثقل كاهل سكان القطاع، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025.

القطاع، الذي يضم نحو 2.4 مليون نسمة، يمر بأزمة مزدوجة بين الفقر المدقع والتدمير الهائل للبنية التحتية، بعد حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل بدعم أمريكي غير محدود، وأسفرت عن أكثر من 72 ألف شهيد و171 ألف جريح، إضافة إلى نزوح نحو 1.9 مليون شخص من منازلهم المدمرة.

مواقف صعبة في رمضان

تؤكد عائلات فلسطينية نازحة في غزة، تتبَّع “بقش” تصريحاتها، أنها تكافح يومياً لتأمين وجبة الإفطار لأطفالها في ظل انعدام مصدر دخل ثابت وغلاء أسعار المواد الغذائية.

وتستخدم عائلات الحطب لإعداد الطعام، رغم المخاطر المرتبطة بإشعال النار داخل الغرف، بينما شح غاز الطهي وارتفاع الأسعار يجعل تحضير وجبة الإفطار والسحور مهمة شبه مستحيلة، مع ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية بشكل صادم، حيث ارتفع سعر الخيار – على سبيل المثال لا الحصر – من 3.5–6 شياكل إلى نحو 16–35 شيكلاً (5.14–11.23 دولاراً).

وفي تكايا توزيع الطعام المجاني في خان يونس، يصطف العشرات من الفلسطينيين لساعات طويلة أمام بوابات التوزيع، حاملين أواني معدنية، على أمل الحصول على وجبة ساخنة. وتروي نازحات أن معاناتهن مستمرة رغم الهدنة، حيث إن الكثيرين لا يستطيعون توفير لقمة واحدة، والحديث عن وقف إطلاق النار صوري فقط.

ووفق متابعات بقش، يجبرُ نقص السيولة وانعدام فرص العمل وارتفاع الأسعار السكانَ على الاعتماد على التكايا لتأمين حاجاتهم الأساسية، بينما تحاول السلطات المحلية فرض رقابة صارمة على التجار الذين يمارسون الاستغلال والاحتكار خلال الشهر الفضيل.

ويحمل تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة انعكاسات اقتصادية جسيمة، إذ إن شح الغذاء والوقود يعرقل النشاط التجاري ويزيد من تكاليف المعيشة، وسط القيود الإسرائيلية على المعابر وسلاسل الإمداد والمساعدات الدولية، وتعمّق هذه الظروف الفقر والبطالة وتؤثر على استقرار القطاع الاقتصادي، ما يزيد من هشاشة الاقتصاد المحلي ويجعل النازحين الأكثر ضعفاً عرضة للجوع والفقر المستمر.

ورغم الدخول النسبي للمساعدات مقارنة بذروة الحرب، إلا أن آليات توزيعها لا تزال محل انتقاد واسع من سكان غزة، الذين يرون أنها لا تعكس احتياجاتهم الحقيقية، ولا تراعي غياب الدخل النقدي، ولا تعالج الخلل العميق في الأسواق والأسعار، خاصة مع حلول شهر رمضان.

فهذه المساعدات التي تتركز في الطحين والبقوليات، غير كافية لتأمين نظام غذائي متكامل، ولا تمنح الأسر مرونة الاختيار، وهو خلل يطرح الأسئلة عن جدوى “السلة الغذائية الموحدة”، ومدى ملاءمتها لمرحلة ما بعد الحرب، حيث يعيش آلاف المواطنين في خيام، مع ارتفاع غير مسبوق في أسعار الخضراوات والفواكه واللحوم والمواد الأساسية الأخرى، التي باتت حكراً على من يمتلك السيولة، وهي فئة قليلة في غزة حسب قراءات بقش للتقارير.

رمضان هذا العام في غزة لا يشبه إلا صورة صادمة من سنوات الحرب والنزوح، حيث الفقر والتجويع يطغيان على روحانية الشهر الكريم، ومع استمرار الحصار وانعدام التزام إسرائيل بتنفيذ البروتوكولات الإنسانية، يبقى مستقبل النازحين الفلسطينيين مرهوناً بالسياسات الدولية وقدرة المجتمع الدولي على الضغط لتخفيف المعاناة الإنسانية والاقتصادية في القطاع.

زر الذهاب إلى الأعلى