
الاقتصاد اليمني | بقش
لا تزال محافظات حكومة عدن تشهد أزمة السيولة المتصاعدة وغير المسبوقة، فبعد سنوات من شح النقد الأجنبي، بات الريال اليمني نفسه عملة نادرة في الأسواق، في وقت تتكدس فيه العملات الأجنبية لدى الصرافين والمواطنين، وهذه المفارقة أربكت دورة النقد، وفرضت قيوداً على عمليات الصرف، وأعادت الجدل حول إدارة السياسة النقدية وثقة الجمهور بالجهاز المصرفي.
في مدن مثل عدن وتعز، يواجه المواطنون صعوبات يومية، يتتبَّعها بقش، في تحويل مدخراتهم من الريال السعودي أو الدولار إلى الريال اليمني. بعض محلات الصرافة امتنعت كلياً عن استبدال العملات الأجنبية، فيما فرضت أخرى سقفاً لا يتجاوز 100 ريال سعودي أو 50 دولاراً للفرد يومياً.
القيود امتدت إلى تطبيقات النقد الإلكتروني، التي باتت تسمح بتحويل نحو 200 ريال سعودي فقط يومياً إلى العملة المحلية لكل حساب، ما أدى إلى تعطّل جزئي في حركة البيع والشراء، خصوصاً في شهر رمضان وارتفاع الطلب الموسمي على السيولة.
وما زاد الاستياء الشعبي أنّ أزمة شح الريال تزامنت مع التحسن النسبي في سعر الصرف، فقد انخفض الدولار في مناطق حكومة عدن إلى 1,558 ريالاً بعد أن كان عند 1,617 قبل أسبوع، فيما تراجع الريال السعودي إلى 410 ريالات يمنية بعد أن كان يبلغ 425 ريالاً، وهذا التحسن بنحو 4% هو الأول من نوعه – وفق متابعات بقش – منذ قرابة سبعة أشهر.
غير أن الاستقرار السعري لم ينعكس إيجاباً على المواطنين بسبب غياب الكتلة النقدية المتداولة، فالسوق يشهد ما يشبه تجميداً للسيولة، حيث يحتفظ الصرافون والمضاربون بكميات من الريال توقعاً لمزيد من التحسن، بينما يسعى المواطنون إلى تحويل مدخراتهم الأجنبية إلى العملة المحلية قبل ارتفاعها أكثر.
وفي هذا الإطار، تشير آخر متابعات بقش إلى أن السعودية ستقدم 1.3 مليار ريال (346.59 مليون دولار) لتغطية رواتب موظفي حكومة عدن وعجز الميزانية، حسب إعلان مسؤول سعودي تحدّث لـ”رويترز” الأربعاء 25 فبراير.
المركزي مسؤول.. عوامل ساهمت في خنق السوق
وكان اقتصاديون قدّموا تحليلات متعددة للوضع النقدي المتدهور الراهن، مثل الخبير الاقتصادي علي المسبحي الذي حدد عدة عوامل رئيسية وراء اختناق السيولة، أولها نقص المعروض النقدي، إذ يبلغ إجمالي العملة المصدرة نحو 3637 مليار ريال، كان آخر إصدار كبير لها مطلع 2022، مع ضخ محدود لاحقاً بنحو 40 مليار ريال فقط. ورأى حسب قراءة بقش أن السوق بحاجة إلى ما يقارب 500 مليار ريال إضافية لاستيعاب التوسع في الإنفاق وتعويض التالف من العملة.
وثاني العوامل يتمثل في الاكتناز الواسع للريال خارج الجهاز المصرفي، إذ تُقدّر العملة المتداولة خارج البنوك بنحو 3292 مليار ريال، أي 68% من عرض النقد الضيق، وهي نسبة مرتفعة تعكس ضعف الثقة بالبنوك. وثالثاً، تراجع الثقة بالمصارف، في ظل شكاوى من صعوبات السحب، وتراجع الأرباح، وتحديد سقوف للسحب اليومي، ما دفع المودعين إلى سحب أموالهم وتخزينها في المنازل.
ولا يتجاوز الرصيد النقدي في خزائن البنوك التجارية والإسلامية 345 مليار ريال، أي نحو 9% فقط من العملة المصدرة. كما أن الإجراءات المقيدة للتعامل بالعملة الصعبة أدت إلى تكدس الدولار والريال السعودي، خصوصاً بعد ضخ ملياري ريال سعودي إلى السوق مؤخراً. واعتبر المسبحي أن بنك عدن المركزي كان يُفترض أن يسحب فائض النقد الأجنبي ويضخ مقابله سيولة محلية لخلق توازن، بدلاً من ترك فجوة عرض وطلب تفتح الباب أمام المضاربة.
من جهته طرح الباحث الاقتصادي وفيق صالح زاوية أخرى، معتبراً أن الأزمة تعكس أيضاً ضغوطاً من كبار الصرافين والمستوردين المرتبطين بمراكز قوى، ممن يمتلكون مخزوناً كبيراً من الريال ويستفيدون من رفع قيمته مؤقتاً. ووفق هذا الطرح، فإن شح السيولة قد يكون أداة للضغط على البنك المركزي لإعادة ضبط سعر الصرف باتجاه أقوى للعملة المحلية.
ولا تعاني السوق حالياً نقصاً في النقد الأجنبي اللازم للاستيراد، خاصة بعد دعم سعودي بقيمة 90 مليون دولار، ما يجعل الأزمة محصورة في إدارة السيولة المحلية أكثر من كونها أزمة احتياطي.
تداعيات اقتصادية وحلول منتظرة
الأزمة لا تتوقف عند حدود الصرافة؛ فهي تمسّ قدرة حكومة عدن على دفع الرواتب وتمويل النفقات، وحركة التجارة اليومية في الأسواق، والثقة بالنظام المصرفي، وكذلك الأسعار التي يعاني المواطنون من ارتفاعها بالأساس.
ويشير اقتصاديون إلى أن على بنك عدن المركزي التوصل إلى تفاهم مع كبار الصرافين للإفراج عن السيولة المكتنزة دون ضخ نقد إضافي قد يُستخدم في المضاربة لاحقاً، أو الاستجابة للضغوط عبر تعديل سعر الصرف وضخ سيولة جديدة، وهو خيار يحمل مخاطر تضخمية إذا لم يُدَر بحذر.
وتتطلب المرحلة استعادة الثقة بالبنوك عبر رفع سقف ضمان الودائع، وتحسين العوائد الادخارية، وتوسيع الشمول المالي، وتبسيط إجراءات السحب، بما يقلل من ظاهرة الاكتناز التي أصبحت سلوكاً دفاعياً لدى الجمهور.
وفي جوهرها، تبدو أزمة السيولة الحالية انعكاساً لأزمة ثقة أعمق في النظام المالي، فحين يحتفظ المواطنون بأموالهم في المنازل، ويتعامل الصرافون بحذر مفرط، وتغيب البيانات التوضيحية الرسمية، يتحول النقد من أداة تداول إلى وسيلة ادخار ومضاربة.
وبين وفرة الدولار وندرة الريال، يقف الاقتصاد اليمني أمام مفارقة نقدية حساسة، استقرار نسبي في سعر الصرف، يقابله اختناق في السيولة، ما يجعل التحدي الحقيقي ليس في قيمة العملة فقط، بل في إعادة تدويرها بثقة داخل النظام المصرفي والأسواق.


