
أخبار الشحن | بقش
أمام أزمة إمدادات الطاقة الراهنة من الخليج، تجد الدول المستوردة للنفط وشركات الشحن والتأمين نفسها أمام موقف صعب لتأمين الإمدادات واستقرار سلاسل التوريد، وفي هذا الإطار تحركت باكستان سريعاً لتأمين احتياجاتها من الخام، وأعلنت أنها طلبت من السعودية تحويل مسار إمدادات النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، تفادياً للمرور عبر مضيق هرمز الذي قامت إيران بإغلاقه.
قُرِئ هذا الطلب الباكستاني بأنه يؤكد حجم القلق لدى الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، إذ تمر غالبية واردات باكستان من الطاقة عبر مضيق هرمز، فيما أكدت مصادر سعودية أن الإمدادات عبر ينبع آمنة، وأنه تم بالفعل الترتيب لإرسال ناقلة لتحميل الخام لصالح باكستان وفق اطلاع “بقش” على البيان الباكستاني.
أرامكو تعيد تنظيم الشحنات وتفعّل “بترولاين”
من جهتها، أعلنت شركة أرامكو السعودية أنها أعادت مؤقتاً توجيه شحنات النفط الخام إلى ميناء ينبع، لضمان استمرارية الإمدادات، لا سيما للعملاء غير القادرين على دخول الخليج العربي.
وترتكز هذه الخطوة على البنية التحتية الاستراتيجية التي تمتلكها المملكة، وفي مقدمتها خط أنابيب شرق-غرب المعروف باسم بترولاين، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر بطول يقارب 1200 كيلومتر حسب قراءة بقش، وبطاقة استيعابية تصل إلى خمسة ملايين برميل يومياً.
ويُنظر إلى هذا الخط كبديل جزئياً لمضيق هرمز، إذ يستطيع – في حال تشغيله بكامل طاقته – نقل ما يقارب ربع الكميات التي تعبر المضيق يومياً، كما يمكنه استيعاب نسبة كبيرة من صادرات السعودية التي تدور حول 7 ملايين برميل يومياً. وقالت أرامكو إنها ملتزمة بالكامل بخدمة عملائها، وإن التعديلات الحالية مؤقتة وتخضع لتقييم مستمر للأوضاع الأمنية والتشغيلية.
وتزامناً مع هذه الأزمة، تعرضت منشآت طاقة لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، وأعلنت السلطات السعودية إحباط هجومَين استهدفا مصفاة رأس تنورة، إحدى أكبر منشآت التكرير وتصدير النفط في المملكة بطاقة تقارب 550 ألف برميل يومياً.
ورغم إيقاف بعض الوحدات التشغيلية كإجراء احترازي، أكدت الجهات الرسمية عدم تأثر الإمدادات إلى الأسواق المحلية أو العالمية، في رسالة طمأنة للأسواق التي تراقب أي مؤشرات على تعطل فعلي في الإنتاج أو التصدير.
750 سفينة عالقة.. وواقع خليجي مرتبك
في سياق متصل، وعلى صعيد الملاحة، تتكدس مئات السفن في المياه الإقليمية المحيطة بالمضيق، وحسب تقديرات شركات الشحن التي يتتبَّعها مرصد بقش، هناك نحو 750 سفينة عالقة، من بينها قرابة 100 سفينة حاويات، مع تجنب كبرى شركات الشحن عبور المنطقة وسط مخاطر أمنية مرتفعة. وزاد من تعقيد المشهد إعلان عدد من أكبر رابطات التأمين البحري إيقاف تغطية مخاطر الحرب للسفن المتجهة إلى الخليج، ما يهدد برفع تكاليف الشحن والتأمين إلى مستويات هائلة للغاية، ويضيف أعباء جديدة على أسعار السلع والطاقة عالمياً.
وطالت الهجمات عدداً من الموانئ الحيوية في الإمارات وعُمان والبحرين وقطر. في الإمارات، مثلاً، اندلع حريق في مركز الفجيرة لتجارة النفط بعد سقوط حطام طائرة مسيّرة تم اعتراضها، وتُعد الفجيرة مركزاً رئيسياً لتخزين وتزويد السفن بالوقود، كما ترتبط بخط أنابيب ينقل خام أبوظبي إلى بحر العرب متجاوزاً مضيق هرمز، إلا أن طاقته لا تكفي لتعويض كامل التدفقات الخليجية.
كما شهد ميناء جبل علي الإماراتي تعليقاً مؤقتاً للعمليات إثر سقوط شظايا ناجمة عن اعتراض هجمات جوية، قبل استئناف النشاط لاحقاً وفق متابعة بقش، وأكدت الجهات المشغلة استمرار العمل مع توقع انخفاض أعداد السفن الواردة بسبب تراجع حركة الملاحة عبر المضيق.
وفي البحرين، تعرضت منشأة بحرية قرب ميناء سلمان لهجوم أدى إلى اندلاع حريق تمت السيطرة عليه، فيما اشتعلت سفينة أجنبية تحت الصيانة نتيجة سقوط شظايا صاروخ، ما أسفر عن خسائر بشرية. أما في سلطنة عُمان، تعرّض ميناء الدقم – الواقع خارج مضيق هرمز والمطل على بحر العرب – لهجومين بطائرات مسيّرة، أصاب أحدهما خزان وقود دون تسجيل إصابات، ويُشار إلى أن أهمية الدقم تبرز كخيار استراتيجي بديل في حال استمرار إغلاق المضيق.
وفي تطور لافت، أعلنت قطر حالة “القوة القاهرة” التي تعني أن الظروف الراهنة خارجة عن إرادة شركة قطر للطاقة وتجعل تنفيذ التزاماتها التعاقدية مستحيلاً تقنياً، سواء بسبب توقف الإنتاج أو تعطل ممرات الملاحة، وهو ما يمنحها حماية من الغرامات أو الدعاوى القضائية الناتجة عن عدم تسليم الشحنات في مواعيدها. ويأتي ذلك بعد أن أعلنت قطر عن إيقاف إنتاج الغاز مؤقتاً نتيجة تداعيات الهجمات، ما أثار مخاوف إضافية بشأن أسواق الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً في أوروبا وآسيا.
هرمز: حقيقة واحدة بين موقفين
وفيما تؤكد طهران إغلاق المضيق، تصر واشنطن على أنه لم يُغلق فعلياً وأنه خالٍ من أي وجود بحري إيراني. وبين هذين الموقفين، تبقى الحقيقة العملية أن شركات الشحن والتأمين تتصرف على أساس المخاطر المرتفعة، وهو ما يكفي لإحداث اختناق فعلي في حركة التجارة، كما تبقى قدرة المنتجين الكبار، وفي مقدمتهم السعودية، على إعادة توجيه الشحنات عبر البحر الأحمر عاملاً حاسماً في تهدئة الأسواق، غير أن البدائل المتاحة لمضيق هرمز تظل محدودة مقارنة بحجم التدفقات اليومية التي تعبره.
ويُخشى أن يكون العالم على موعد مع أزمة قريبة تشهد ارتفاعاً حاداً في أسعار النفط والغاز، وزيادةً في تكاليف النقل والتأمين البحري، وضغطاً متزايداً على المخزونات الاستراتيجية في الدول المستوردة، إذ يقول الواقع إن مضيق هرمز يعد نقطة ارتكاز لمعادلة جيوسياسية معقدة، تتقاطع فيها الطاقة بالأمن والتجارة، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة العالم على تحمُّل صدمة طويلة في شريان النفط الأهم.


