
الاقتصاد العالمي | بقش
تركز الأسواق على منطقة الخليج المنتجة للنفط، التي تشهد تصعيداً خطيراً وسط احتدام الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتشير أحدث البيانات التي رصدها “بقش” إلى تعرض ناقلات نفطية جديدة لهجمات في مياه الخليج، الخميس، في تطور يرفع عدد السفن المستهدفة إلى تسع سفن على الأقل.
وفق تقييمات أولية أوردتها وكالة رويترز، استُهدفت ناقلة نفط خام ترفع علم جزر البهاما كانت راسية قرب ميناء خور الزبير في العراق بواسطة قارب إيراني مفخخ يتم التحكم فيه عن بعد، فيما تعرضت ناقلة أخرى قبالة السواحل الكويتية لأضرار بعد انفجار على جانبها الأيسر تسبب في تسرب نفطي.
هذا التصعيد جاء في وقت تتسع فيه رقعة التوتر الإقليمي، حيث أطلقت إيران صواريخ باتجاه إسرائيل وأرسلت طائرات مسيّرة نحو أذربيجان، ما أدى إلى إصابة أربعة أشخاص، في مؤشر على احتمال امتداد الحرب إلى مناطق جديدة تضم منتجين رئيسيين للطاقة.
وانعكست هذه التطورات سريعاً على حركة الملاحة في الخليج، إذ تشير تقديرات تستند إلى بيانات تتبع السفن إلى أن نحو 200 سفينة، بينها ناقلات نفط وغاز طبيعي مسال وسفن شحن، ما تزال راسية في المياه المفتوحة قبالة سواحل دول الخليج دون القدرة على التوجه إلى الموانئ أو مغادرتها. كما أن مئات السفن الأخرى المتجهة إلى المنطقة لا تستطيع العبور عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس (20%) تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
وفي محاولة لإعادة تنشيط حركة الشحن، عرض ترامب مرافقة البحرية الأمريكية للسفن التجارية وتأمين عبورها، في خطوة هدفها طمأنة شركات الشحن وكبح ارتفاع أسعار الطاقة. كما أعلنت سوق التأمين البحري في لندن إجراء مشاورات مع الحكومة الأمريكية وفق اطلاع بقش، وذلك لبحث آليات دعم التأمين للسفن المارة في المنطقة.
حيث تتفاوض هيئة سوق “لويدز لندن” مع مؤسسة تمويل التنمية التابعة للحكومة الأمريكية لتطوير خطة توفر تأميناً ضد المخاطر السياسية وضمانات للتجارة البحرية في منطقة الخليج، وتشير الهيئة إلى استمرار سريان التأمين للغالبية العظمى من السفن المتواجدة في المنطقة، التي تُقدر قيمتها بنحو 25 مليار دولار حسب قراءة بقش، وتشمل حوالي ألف سفينة نصفها ناقلات نفط وغاز)، وذلك رغم توسيع لندن لنطاق المناطق “عالية المخاطر”.
تأثيرات على إنتاج النفط
التوترات الأمنية انعكست كذلك على عمليات إنتاج النفط في عدد من دول المنطقة. ففي العراق، أعلنت مصادر في قطاع الطاقة أن شركة “بي. بي” البريطانية قامت بإجلاء موظفيها الأجانب من حقل الرميلة النفطي بعد هبوط طائرتين مسيّرتين مجهولتي المصدر داخل الحقل. وفي الوقت نفسه، خفّضت بغداد إنتاجها بنحو 1.5 مليون برميل يومياً نتيجة امتلاء مرافق التخزين وعدم القدرة على تحميل الناقلات بسبب تعطل حركة الشحن.
كما اضطرت مصفاة نفط في الكويت إلى إغلاق عملياتها مؤقتاً، بينما خفّضت مصفاتان أخريان في الكويت والبحرين معدلات إنتاجهما في ظل استمرار الاضطرابات.
ولم تقتصر الاضطرابات على سوق النفط، إذ ارتفع سعر الغاز الأوروبي القياسي بنحو 3% في يوم واحد، بينما قفز بحوالي 60% منذ بداية الأسبوع، وسط المخاوف من نقص الإمدادات العالمية. وزاد من تعقيد المشهد إعلان قطر – التي توفر نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم – عن وقف إنتاج الغاز مؤقتاً بسبب تداعيات الصراع. وتشير تقديرات المحللين التي تناولها بقش مؤخراً إلى أن كبار المنتجين الآخرين مثل الولايات المتحدة وأستراليا لا يمتلكون فائضاً كافياً لتعويض هذا النقص.
في سياق متصل، ألمح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى احتمال وقف صادرات الغاز الروسية إلى أوروبا في الوقت الراهن، ما قد يزيد الضغوط على أسواق الطاقة العالمية. واليوم الخميس، كشفت موسكو رسمياً عن توجه الحكومة لعقد اجتماع عاجل مع شركات الطاقة الروسية لبحث وقف صادرات الغاز إلى أوروبا، تنفيذاً لتوجيهات بوتين الذي لوّح بقطع الإمدادات، رداً على مساعي الاتحاد الأوروبي لحظر الغاز الروسي.
وتفاقم هذه التطورات التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي في إعادة ملء مخزونات الغاز استعداداً للشتاء المقبل، إذ أصبحت المهمة أكثر تكلفة وتعقيداً في ظل اضطراب الإمدادات العالمية. كما امتدت آثار الأزمة إلى آسيا، فقد أصدرت الصين، الخميس، توجيهات لشركات التكرير المحلية بعدم توقيع عقود جديدة لتصدير الوقود والعمل على إلغاء بعض الشحنات المتفق عليها، في محاولة لتأمين احتياجات السوق المحلية.
في التفاصيل التي اطلع عليها بقش، أصدرت الصين تعليماتها لكبرى شركات تكرير النفط الصينية، وأبرزها “بتروتشاينا” و”سينوبك”، بوقف صادرات البنزين والديزل فوراً، لتأمين الاحتياجات المحلية وحماية أمن الطاقة مع تصاعد التوترات في الخليج العربي، وشمل القرار تعليق توقيع عقود جديدة والتفاوض لإلغاء الشحنات المتفق عليها مسبقاً، مع استثناء وقود الطائرات والوقود البحري والإمدادات الموجهة لهونغ كونغ وماكاو.
وعكست الخطوة الصينية حالة الاستنفار الإقليمي في آسيا، حيث بدأت دول مثل اليابان والهند وإندونيسيا أيضاً في تقليص عمليات التكرير وتعليق الصادرات لمواجهة الانقطاع شبه التام لإمدادات النفط والوقود القادمة من الشرق الأوسط.
ومع استمرار الهجمات البحرية وتراجع حركة الملاحة في الخليج، تبدو أسواق الطاقة العالمية أمام مرحلة من عدم اليقين الحاد، فتعطل واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، هو مضيق هرمز، يهدد بتغيير توازنات السوق العالمية في وقت تعاني فيه الإمدادات أصلاً من محدودية الفائض لدى كبار المنتجين.
فاتساع رقعة التوترات يفرض مخاوف متزايدة من انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، في ظل محدودية قدرة المنتجين الآخرين على تعويض النقص المحتمل في الإمدادات، وبينما تحاول القوى الكبرى احتواء التداعيات عبر إجراءات أمنية أو تحركات سياسية، تبقى أسواق الطاقة العالمية رهينة مسار الحرب وتطوراتها في واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة للاقتصاد العالمي.


