تقارير
أخر الأخبار

بريق باهت في ظل الحرب: لماذا بقيت أسعار الذهب متوازنة رغم تصاعد المخاطر؟

تقارير | بقش

على عكس التوقعات الكلاسيكية التي تصاحب التوترات الجيوسياسية، سجّل الذهب أداءً باهتاً في خضم الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ولم يكتفِ بالعجز عن تحقيق قفزات سعرية، بل شهد تراجعات ملحوظة في بعض الجلسات التداولية.

يُعزى هذا التراجع تقليدياً إلى قوة الدولار الأمريكي كعامل ضغط رئيسي، إلا أن التحليل العميق لبيانات السوق يكشف عن ديناميكيات هيكلية أعمق تتجاوز مجرد تقلبات العملة، وتتعلق بتغير جذري في سلوك كبار اللاعبين في السوق المالي العالمي.

ولسنوات طويلة، شكلت سياسات التخلص من الدولار أو ما يُعرف بـ”اللادولرة” المحرك الأقوى لأسواق المعدن النفيس، حيث قادت البنوك المركزية العالمية موجة شراء نهمة للتحوط وتقليل الاعتماد على العملة الخضراء، وهذا الزخم الشرائي الرسمي هو ما دفع أسعار الذهب خلال العام الماضي لتسجيل مستويات قياسية غير مسبوقة وفق متابعات “بقش”، مما رسخ مكانته كملاذ آمن استراتيجي في خزائن الدول قبل محافظ المستثمرين وصناديق الاستثمار.

غير أن هذا المشهد شهد تحولاً دراماتيكياً ومفاجئاً بتوقيت غير متوقع؛ فالمحرك الذي كان يدفع السوق للارتفاع فقد زخمه بشكل حاد، لتتغير قواعد اللعبة بالكامل، إذ تضافرت عوامل مركبة تشمل الارتفاع المفرط للأسعار وتغير الأولويات الاقتصادية للدول مع اندلاع شرارة الحرب، لتسحب البساط من تحت المعدن الأصفر وتجرده من أقوى دعائمه، محولة إياه من أصل استراتيجي يُكدس إلى أداة تُسيّل لتوفير السيولة.

تراجع الزخم الرسمي: البنوك المركزية تفرمل مشترياتها

تكشف البيانات الحديثة التي اطلع عليها بقش من مجلس الذهب العالمي عن تباطؤ حاد في شهية القطاع الرسمي، حيث هوى صافي مشتريات البنوك المركزية عالمياً في يناير من العام الجاري إلى 5 أطنان فقط، ويمثل هذا الرقم انهياراً كبيراً بنسبة 80% في زخم الشراء الرسمي مقارنة بالمتوسط الشهري للعام الماضي الذي كان يبلغ نحو 27 طناً، مما يعكس تحولاً استراتيجياً في سياسات تنويع الاحتياطيات النقدية.

ولم يكن بنك الشعب الصيني، الذي قاد موجة شراء الذهب بشراسة لسنوات، بمنأى عن هذا التوجه الانكماشي، فقد أظهرت بيانات شهر فبراير إضافة كمية رمزية للغاية بلغت 30 ألف أونصة فقط، أي ما يقل عن طن واحد، ورغم كونه الشهر السادس عشر على التوالي في سلسلة الشراء الصينية، إلا أنه يُعد الأضعف على الإطلاق من حيث الكمية، مما يؤكد تراجع وتيرة تكديس الذهب حتى لدى أشرس المشترين.

ويعود هذا التردد المؤسسي في زيادة المشتريات بشكل أساسي إلى المستويات السعرية القياسية التي بلغها المعدن الأصفر. فمع وصول الذهب إلى مستويات تاريخية تخطت حاجز 5 آلاف دولار للأونصة، وجدت البنوك المركزية نفسها أمام مخاطر استثمارية تجعل من غير المبرر اقتصادياً الاستمرار في مطاردة الأسعار عند هذه القمم المرتفعة وزيادة حيازاتها بتكلفة باهظة.

صدمة الحرب وانقلاب أولويات السيولة

بالتزامن مع بلوغ الأسعار ذروتها، أدى اندلاع الحرب الأخيرة قبل نحو أسبوعين إلى إعادة ترتيب جذرية لأولويات البنوك المركزية، وتحديداً في الأسواق الناشئة، إذ تسببت الصدمة الجيوسياسية في اشتعال أسعار الطاقة والنفط والغاز بشكل فوري، مما خلق ضغوطاً هائلة على موازنات هذه الدول ودفعها للبحث العاجل عن سبل لتأمين فواتير وارداتها الحيوية.

في ظل هذه الضغوط، تخلت البنوك المركزية في الأسواق الناشئة عن استراتيجية تخزين الذهب لصالح البحث اللحوح عن “السيولة الدولارية”. هذا التحول أفقد الذهب ما يُعرف بـ”الدرع الحامي”، أو دعم البنوك المركزية، وهو الدرع الذي كان يمتص موجات البيع ويحمي الأسعار من الانهيار، ليفقد المعدن الأصفر دعمه الأكبر في اللحظة الحرجة التي كان يحتاجه فيها أكثر من أي وقت مضى.

ولم يتوقف الأمر عند الإحجام عن الشراء، بل ظهرت قوى بيعية مؤثرة من القطاع الرسمي نفسه لتلبية الاحتياجات المالية. وبرز البنك المركزي الروسي كأحد أهم هؤلاء اللاعبين، حيث اتجه لتسييل جزء من احتياطياته عبر بيع أكثر من 9 أطنان من الذهب، بهدف توفير السيولة النقدية اللازمة وتمويل برامج سك العملات المعدنية، مما زاد من ثقل المعروض الضاغط على الأسعار.

صناديق التحوط ومعركة العوائد الحقيقية

على الجانب الآخر من المشهد، لعبت صناديق التحوط دوراً حاسماً وذكياً في الضغط على المعدن الأصفر عبر المضاربة على العائد الحقيقي.

تنظر هذه الصناديق للذهب كـ”أصل عقيم”، فهو لا يُدر فوائد أو أرباحاً دورية لمجرد الاحتفاظ به، مما يضعه في منافسة شرسة ومستمرة مع أدوات الدين الحكومية، حيث يُقارن استثمار 100 ألف دولار في سبائك صامتة لا تمنح دخلاً شهرياً، بخيار شرائها كسندات تمنح عائداً يفوق معدل التضخم بنسبة تتراوح بين 1% إلى 2%.

ومع بداية الحرب، شهدت عوائد السندات الحكومية المحمية من التضخم، كالسندات الأمريكية، ارتفاعات ملحوظة جذبت أنظار المستثمرين.

أمام هذه المغريات، قرر مديرو محافظ صناديق التحوط التخلص من الذهب عديم العائد، وتوجيه تدفقاتهم النقدية نحو السندات لضمان عوائد قوية ومضمونة، مستفيدين في الوقت ذاته من جاذبية وقوة الدولار الأمريكي كعملة ملاذ آمن مُدرة للعائد.

وقد انعكست هذه التكتيكات الاستثمارية بوضوح في حركة التدفقات الخارجة من الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب. فقد سجلت السوق خروجاً مكثفاً لرؤوس الأموال حسب تتبُّع بقش، تُوِّج بتخارج أكثر من 25 طناً من صناديق الذهب المتداولة البارزة، مثل صندوق “GLD”، في غضون أسبوع واحد فقط منذ بدء الحرب الراهنة، مما عمق من جراح المعدن النفيس وحدّ من مكاسبه المرجوة.

في النهاية يمكن القول إن عدم تفاعل الذهب بالصعود المأمول أو حتى تراجعه في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها الحالية، لا يُترجم ضعفاً في بريقه أو فقداناً لمكانته التاريخية كملاذ آمن للثروات. هو بالأحرى انعكاس لـ”معركة سيولة” طاحنة فرضت إيقاعها على المشهد المالي العالمي، حيث طغت الاحتياجات النقدية العاجلة وتكلفة الفرصة البديلة على جاذبية المعدن الأصفر كأصل احتياطي في أوقات الأزمات المزدوجة.

هذه الأزمة أعادت تشكيل خريطة التدفقات المالية، فالبنوك المركزية أوقفت مطاردتها المحمومة للذهب عند قمم الأسعار مفضلة تأمين سيولتها الدولارية لمواجهة فواتير الطاقة، بينما حسمت صناديق التحوط موقفها لصالح الإيجار المضمون والعوائد الحقيقية التي توفرها السندات ويدعمها الدولار القوي. هكذا، خسر الذهب جولته الحالية أمام واقع مالي تحكمه السيولة والعوائد، لا الخوف وحده.

زر الذهاب إلى الأعلى