استنفار عالمي أمام صدمة الطاقة.. كيف تسابقت الدول لاحتواء آثار الحرب على إيران؟

الاقتصاد العالمي | بقش
تتسارع تحركات الحكومات حول العالم لمواجهة التداعيات الاقتصادية المتصاعدة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وسط اضطرابات غير مسبوقة في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع كبير في أسعار الوقود والغاز، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى اتخاذ إجراءات طارئة لحماية اقتصاداتها والمستهلكين من موجة تضخم جديدة قد تطال الغذاء والكهرباء والنقل.
التطورات الأخيرة التي يتابعها “بقش” في أسواق الطاقة تشير إلى أن الأزمة الحالية انتقلت إلى صدمة إمدادات واسعة النطاق تهدد استقرار الأسواق العالمية، خصوصاً مع تعطل جزء كبير من صادرات النفط والغاز القادمة من الشرق الأوسط.
وأدت الحرب الدائرة في المنطقة إلى تعطّل قرابة خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، بعد أن اضطر كبار المنتجين في الخليج، مثل السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر، إلى خفض إنتاجهم نتيجة اضطراب حركة الملاحة والتصدير.
وكالة الطاقة الدولية تصف هذه التطورات بأنها أكبر انقطاع لإمدادات الطاقة يشهده العالم في تاريخه الحديث، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأسعار في الأسواق العالمية، إذ ارتفعت أسعار خام برنت إلى 102.90 دولار للبرميل، بزيادة تقارب 42% مقارنة بالمستويات التي كانت عليها قبل اندلاع الحرب في نهاية فبراير الماضي.
وفي محاولة لتخفيف الضغط على الأسواق، أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن تنسيق أكبر عملية إفراج عن النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية لدى الدول الأعضاء، في خطوة تهدف إلى تعويض جزء من النقص الحاد في الإمدادات، كما اضطرت أمريكا لاتخاذ إجراءً استثنائياً بتخفيف القيود على صادرات النفط الروسية، كحل مؤقت يهدف إلى زيادة المعروض العالمي وسط الأزمة الراهنة.
مضيق هرمز في قلب الأزمة
اضطرابات سوق الطاقة تفاقمت بسبب التوترات الأمنية في مضيق هرمز، حيث يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ووفق تقديرات حديثة اطلع عليها بقش من بنك الاستثمار الأمريكي “جيه بي مورغان”، فإن التخفيضات في إمدادات النفط الخام العالمية قد تصل إلى نحو 12 مليون برميل يومياً بحلول نهاية الأسبوع المقبل، في حال استمرار اضطراب حركة النقل البحري في المنطقة.
أشار البنك إلى أن الإنتاج المتوقف فعلياً وصل بالفعل إلى نحو 6.5 ملايين برميل يومياً، وهو مستوى أعلى مما كان متوقعاً في التقديرات السابقة، وبنفس الوقت ما تزال بعض الشحنات التي غادرت الخليج قبل إغلاق المضيق تصل إلى وجهاتها، إلا أن الشحنات الجديدة توقفت إلى حد كبير.
وتوقع البنك أن تبدأ الإمدادات المتجهة إلى آسيا في التراجع خلال الأيام القليلة المقبلة، بينما قد تتوقف الشحنات المتجهة إلى أوروبا في وقت لاحق من الأسبوع المقبل إذا استمر الوضع على حاله، كما حذر من أن الأسواق العالمية بدأت بالفعل تواجه نقصاً واضحاً في بعض المنتجات النفطية، مثل الديزل ووقود الطائرات وغاز البترول المسال والنافثا.
في هذا المشهد المضطرب، بدأت الحكومات في مختلف أنحاء العالم باتخاذ إجراءات استباقية لتقليل تأثير الأزمة على المواطنين والشركات، وتشمل هذه الإجراءات مزيجاً من السياسات المالية والتنظيمية، مثل تقديم الدعم الحكومي للوقود، ووضع سقوف للأسعار، والإفراج عن المخزونات الاستراتيجية من الطاقة والسلع الأساسية.
وفي كوريا الجنوبية، يدرس المسؤولون تقديم قسائم دعم إضافية للأسر لمساعدتها على مواجهة الارتفاع المتوقع في فواتير الكهرباء نتيجة زيادة أسعار الوقود، كما تعمل الحكومة الكورية على إعداد خطة طوارئ لزيادة إنتاج الكهرباء باستخدام الطاقة النووية ومحطات الفحم، في حال استمرار تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من الشرق الأوسط.
القلق يمتد إلى أسعار الغذاء
آثار أزمة الطاقة امتدت إلى أسعار الغذاء وسلاسل الإمداد العالمية، نظراً لارتباط تكاليف الإنتاج والنقل بأسعار الطاقة. على سبيل المثال، في مصر، التي تُعد من أكبر مستوردي القمح في العالم، قررت السلطات وضع سقف لأسعار الخبز غير المدعوم الذي تبيعه المخابز الخاصة، في محاولة لمنع ارتفاع تكاليف الوقود والنقل من التسبب في زيادة أسعار الغذاء. ويمثل الخبز في مصر سلعة أساسية لملايين المواطنين، وقد يحمل ارتفاع أسعاره أبعاداً اقتصادية وسياسية حساسة.
وفي الصين دفعت المخاوف من ارتفاع تكاليف الزراعة الحكومة إلى الإفراج عن كميات من الأسمدة من الاحتياطيات الاستراتيجية قبل موسم الزراعة الربيعي، بهدف تثبيت الأسعار وضمان توفر الإمدادات للمزارعين.
وفي آسيا وأوروبا تتجه الحكومات إلى التدخل المباشر في أسواق الطاقة بهدف الحد من ارتفاع الأسعار. ففي الفلبين، أعلنت الحكومة أنها تدرس تنظيم أسعار الكهرباء إلى جانب زيادة إنتاج الطاقة باستخدام الفحم لتعويض ارتفاع تكاليف الغاز الطبيعي المسال.
وفي الهند، دعت السلطات المواطنين إلى عدم شراء أسطوانات غاز الطهي بدافع القلق، في ظل تزايد الطلب على هذه السلعة الحيوية، كما شجعت الحكومة الهندية المستهلكين على التحول إلى استخدام الغاز الطبيعي عبر الأنابيب لتخفيف الضغط على الإمدادات.
وتعتمد الهند بشكل كبير على واردات غاز البترول المسال، إذ شكلت الواردات نحو 60% من إجمالي الطلب المحلي العام الماضي حسب اطلاع بقش على البيانات المنشورة، بينما جاءت نحو 90% من تلك الواردات من الشرق الأوسط.
وفي القارة الأوروبية، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بشكل حاد منذ بداية الأزمة، إذ زادت الأسعار القياسية في السوق الهولندية بنحو 50% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وتعمل المفوضية الأوروبية حالياً على إعداد توجيهات تسمح بتطبيق قواعد أكثر مرونة لاستيراد الغاز وفق قراءات بقش، بهدف تسريع وصول الشحنات وتجنب أي تأخير قد يفاقم أزمة الإمدادات.
ومن المتوقع أن تستفيد هذه الإجراءات بشكل خاص من واردات الغاز القادمة من أذربيجان عبر ممر الغاز الجنوبي الذي يربط منطقة بحر قزوين بالأسواق الأوروبية.
دعم مالي وإجراءات ضريبية
إلى جانب التدخلات التنظيمية، تلجأ العديد من الحكومات إلى أدوات مالية مباشرة لاحتواء ارتفاع الأسعار. ففي ماليزيا أعلنت الحكومة زيادة الإنفاق على دعم البنزين إلى نحو 510 ملايين دولار للحفاظ على استقرار أسعار الوقود الأكثر استخداماً في البلاد.
كما قامت إثيوبيا بزيادة دعم الوقود بشكل كبير لتخفيف الأعباء المالية عن المستهلكين في ظل الارتفاع العالمي للأسعار.
وأوروبياً، تدرس إيطاليا خفض الضرائب على الوقود لمساعدة المواطنين والشركات على مواجهة التكاليف المتزايدة، مع احتمال فرض ضرائب إضافية على الشركات التي تحقق أرباحاً استثنائية نتيجة الأزمة.
وفي خطوة أخرى لمواجهة النقص في الإمدادات، أعلنت أستراليا أنها ستفرج عن كميات من البنزين والديزل من الاحتياطيات المحلية، كما ستخفف مؤقتاً معايير جودة الوقود لزيادة المعروض المتاح في السوق، خاصة في المناطق الريفية.
واتخذت البرازيل مساراً مختلفاً عبر خفض الضرائب على الديزل وفرض ضريبة على صادرات النفط الخام، في محاولة للحد من ارتفاع أسعار الوقود داخل البلاد.
ومع استمرار الحرب وتزايد الاضطرابات في حركة النقل البحري، يتوقع خبراء الطاقة أن تستمر الضغوط على الأسواق العالمية لفترة غير قصيرة، ويرون أن الأهم في المرحلة الحالية هو مدى قدرة الدول المستوردة للطاقة على الحفاظ على إمدادات الوقود في حال استمرت الأزمة لفترة أطول، إذ تبدو أسواق الطاقة العالمية في موقف صعب يغير موازين الطاقة العالمية خلال السنوات المقبلة.


