“ميتا” تضحي بـ20% من موظفيها على مذبح الذكاء الاصطناعي.. هل بدأت فقاعة التكنولوجيا بالانفجار؟

منوعات | بقش
في تحول دراماتيكي يعكس الوجه القاسي للثورة التكنولوجية الحديثة، تتجه شركة “ميتا” نحو اتخاذ واحد من أعنف قرارات الهيكلة في تاريخ وادي السيليكون، عبر خطة لتسريح ما يقرب من 20% من قوتها العاملة التي تقارب 79 ألف موظف، وفقاً لاطلاع “بقش” على ما نشرته وكالة رويترز.
هذا القرار، الذي تسرّب عبر أروقة الإدارة العليا، لا يمثل مجرد إجراء روتيني لخفض النفقات، بل هو إعلان صريح عن بدء حقبة جديدة تُستبدل فيها العقول البشرية بالخوادم، وتُسفك فيها الوظائف التقليدية لتمويل الشهية المفتوحة والمكلفة للغاية لتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
الدافع الحقيقي خلف هذه المذبحة الوظيفية المرتقبة يكمن في الأرقام الفلكية التي تلتزم بها الشركة لضمان مقعدها في سباق الذكاء الاصطناعي التوليدي. فبين خطط استثمارية مرعبة تبلغ 600 مليار دولار لبناء مراكز بيانات بحلول عام 2028، واستحواذات مليارية متتالية شملت منصة “مولتبوك” وشراء شركة “مانوس” الصينية الناشئة بملياري دولار، وجدت ميتا نفسها مضطرة لإعادة هيكلة ميزانيتها العمومية.
الضغط المستمر من “وول ستريت” لتحقيق توازن بين الإنفاق الرأسمالي الهائل (CapEx) والنفقات التشغيلية (OpEx) دفع الإدارة إلى تسييل رأس مالها البشري لتحويله إلى أصول تقنية.
هذا المشهد يضع تساؤلاً جوهرياً حول ما بات يُعرف في الأوساط الاقتصادية بـ”فقاعة الذكاء الاصطناعي”. فالشركات الكبرى تضخ تريليونات الدولارات في بنية تحتية لا تزال عوائدها الاستثمارية المباشرة ضبابية وغير قادرة حتى اللحظة على تغطية تكاليف إنشائها.
الاعتماد المفرط على فرضية أن الذكاء الاصطناعي سيولد أرباحاً مستقبلية غير محدودة، يشبه إلى حد بعيد النشوة التي سبقت انفجار فقاعة “الدوت كوم”، حيث يتم حرق النقد الحالي وتدمير الاستقرار الوظيفي على أمل تحقيق وعود تكنولوجية قد تستغرق سنوات لتصبح قابلة للتسويق التجاري الحقيقي.
“وهم الكفاءة”.. التكلفة الخفية لسباق التسلح التكنولوجي
تصريحات الرئيس التنفيذي مارك زكربيرغ في يناير الماضي، والتي أشار فيها إلى أن “المشاريع التي كانت تتطلب فرقاً كبيرة باتت تُنجز الآن بواسطة شخص واحد موهوب للغاية”، لم تكن مجرد تأملات تقنية، بل كانت التبرير الفلسفي المسبق لعمليات التسريح القادمة.
هذا التوجه نحو “الكفاءة المفرطة” يخفي وراءه استراتيجية قاسية تعتمد على تقديم حزم رواتب خيالية بمئات الملايين لعدد محدود جداً من باحثي الذكاء الاصطناعي وخبراء “الذكاء الخارق”، مقابل الاستغناء عن عشرات الآلاف من الموظفين في القطاعات الإدارية، البرمجة التقليدية، والتسويق.
هذه الخطوة المرتقبة لا يمكن فصلها عن السياق التاريخي القريب لشركة ميتا؛ فهي تأتي كامتداد أكثر وحشية لما أسمته الشركة بـ “عام الكفاءة” في أواخر 2022 وأوائل 2023، والذي شهد التخلص من 21 ألف موظف على دفعتين، حسب تناولات “بقش” السابقة.
الفارق اليوم هو أن التسريح لم يعد رد فعل على تباطؤ اقتصادي عابر أو تراجع في إيرادات الإعلانات، بل أصبح سياسة هيكلية دائمة. ميتا تتحول جذرياً من شركة تعتمد على المنصات الاجتماعية والتفاعل البشري، إلى شركة بنية تحتية حوسبية بحتة، مما يتطلب تغييراً شاملاً في الحمض النووي لقوتها العاملة.
علاوة على ذلك، فإن التكلفة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تقتصر على الاستحواذات البرمجية، بل تتجاوزها إلى قيود مادية صلبة تتمثل في ندرة الرقائق الإلكترونية المتقدمة (مثل معالجات إنفيديا)، والاستهلاك المرعب للطاقة الكهربائية الذي تتطلبه مراكز البيانات الجديدة.
هذه التكاليف المادية الباهظة تضع سقفاً زجاجياً أمام هوامش ربح الشركة، وتجعل من تقليص فاتورة الأجور البشرية الخيار الأسهل والأسرع أمام الإدارة لامتصاص صدمة التكاليف التشغيلية للآلات.
فقاعة الذكاء الاصطناعي: هل يلتهم وادي السيليكون أبناءه؟
ما يحدث في أروقة ميتا ليس حدثاً معزولاً، إذ هو انعكاس لنمط أوسع وأكثر خطورة يجتاح وادي السيليكون بأكمله هذا العام. قطاع التكنولوجيا الأمريكي يعيش حالياً حالة من “معضلة السجين” وفق قراءة بقش؛ فكل شركة كبرى تجد نفسها مجبرة على الاستثمار بجنون في الذكاء الاصطناعي خوفاً من أن يتجاوزها المنافسون، حتى وإن كانت تعلم أن هذه الاستثمارات مبالغ فيها اقتصادياً. هذه العدوى أدت إلى موجة تسريحات ممنهجة في مختلف الشركات التقنية الكبرى، حيث يتم تبرير التخلص من الموظفين بضرورة إفساح المجال مالياً لتقنيات الأتمتة والذكاء التوليدي.
الأزمة الحقيقية التي قد تفجر “الفقاعة” تكمن في العائد على الاستثمار (ROI). فبينما يتم تسعير أسهم شركات التكنولوجيا حالياً بناءً على التوقعات اللانهائية لقدرات الذكاء الاصطناعي، يدرك المحللون الماليون المخضرمون أن النماذج اللغوية الكبيرة وأنظمة الذكاء التوليدي لم تثبت بعد قدرتها على خلق نماذج أعمال جديدة ومستقلة توازي حجم الإنفاق عليها. إذا استمرت التكاليف في الارتفاع – وهو المتوقع – وتأخرت الإيرادات الصافية الناجمة عن هذه التقنيات، فإن الأسواق المالية ستشهد حركة تصحيح عنيفة قد تعصف بقيمة هذه الشركات.
ورغم محاولات التهدئة التي قادها المتحدث باسم ميتا، “آندي ستون”، بوصفه التقارير بأنها “تكهنات حول تصورات نظرية”، إلا أن الدخان المتصاعد من اجتماعات الإدارة العليا يؤكد وجود نار تستعر تحت الرماد. وتقف الصناعة التكنولوجية اليوم على مفترق طرق خطير؛ فإما أن ينجح الذكاء الاصطناعي في إحداث ثورة إنتاجية غير مسبوقة تنقذ هذه الاستثمارات الفلكية، وإما أن نستيقظ قريباً على انفجار فقاعة تاريخية ابتلعت في طريقها مئات الآلاف من الوظائف ومليارات الدولارات من الثروات المتبخرة.


