
الاقتصاد اليمني | بقش
تشهد الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد ضغوطاً متزايدة نتيجة استمرار تعثر صرف الرواتب وأزمة شح السيولة النقدية المحلية، بما انعكس على حركة الأسواق ومستويات المعيشة، ودفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى مطالبة المجلس الرئاسي وحكومة عدن بمعالجات عاجلة للأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
وتشير شكاوى عسكريين في وزارة الدفاع، تابعها “بقش”، إلى استمرار تأخر صرف رواتبهم منذ نحو خمسة أشهر، في ظل ظروف معيشية صعبة يعيشها كثير منهم وأسرهم في عدن. وتوجّه عسكريون إلى إحدى شركات الصرافة لاستلام مستحقاتهم، إلا أنهم أُبلغوا بعدم إمكانية الصرف بسبب عدم توفر السيولة النقدية لدى بنك عدن المركزي.
ويؤكد العسكريون معاناتهم مع استمرار التأخير، خاصة مع اقتراب عيد الفطر وارتفاع الأسعار، إذ يزيد هذا الوضع من حدّة الأزمة المعيشية ويضع آلاف الأسر أمام تحديات اقتصادية قاسية، مطالبين الجهات المختصة بالتدخل لتوفير السيولة وضمان انتظام صرف الرواتب.
روايات متباينة: خصومات وتأخير في الصرف رغم التوجيهات
وتتكرر أزمة رواتب العسكريين، على سبيل المثال، بصورة شبه سنوية، خصوصاً قبيل المناسبات الدينية مثل شهر رمضان وعيد الفطر المبارك، ما يثير جدلاً واسعاً حول أسباب التعثر. وتشير معلومات متداولة طالعها بقش إلى أن بعض رواتب الأشهر الماضية تم تسليمها إلى الجهات المالية المختصة في وزارة الدفاع، في حين تعذر صرفها لاحقاً بسبب مشكلات تتعلق بالسيولة أو الإجراءات المصرفية.
وزير الدفاع بحكومة عدن، طاهر العقيلي، تحدث في منشور رصده بقش عن تسليم رواتب أشهر أكتوبر ونوفمبر 2025 للدائرة المالية بوزارة الدفاع، مع تحويل راتب شهر ديسمبر من وزارة المالية، مبيناً أن الإجراءات الإدارية تسير وفق الجدولة المقرة. لكن في المقابل، تحدثت مصادر عسكرية عن تعثر فعلي في الصرف نتيجة نقص السيولة لدى بنكي “عدن الإسلامي” و”القطيبي”، مما حال دون استلام رواتب المنطقتين السادسة والسابعة لشهر نوفمبر، إضافة إلى توقف استلام راتب ديسمبر بالكامل، وهو ما يتناقض مع تأكيدات الوزير بانتهاء إجراءات التحويل.
كما يُتداوَل أن الدائرة المالية لم تصرف راتب أكتوبر رغم استلامه، متعللة بعجز مالي ناتج عن خصومات شهرية تقدر بمليار ونصف المليار ريال تُحول لنفقات تشغيلية لقيادة الوزارة والمنطقة الرابعة منذ خمس سنوات.
ويشير عسكريون إلى وجود توجيهات رئاسية بوقف هذه الخصومات وتعويضها مباشرة من وزارة المالية، إلا أن استمرار العمل بها لا يزال يمثل عائقاً أساسياً أمام تسوية مستحقات الجنود، مما فاقم الأزمة المالية للدائرة المالية وعرقل وصول المرتبات إلى مستحقيها.
انعكاسات اقتصادية وإيرادات متاحة
تمتد آثار تأخر رواتب العسكريين والموظفين إلى الاقتصاد ككل، فمع توقف صرف رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين تتراجع السيولة في الأسواق، وهو ما يؤدي إلى انخفاض حركة البيع والشراء وتباطؤ النشاط التجاري. كما يؤكد اقتصاديون أن تجميد الودائع المصرفية وفرض الرسوم والجبايات المتعددة أسهم في إضعاف القدرة الشرائية للمواطنين، الأمر الذي تسبب في إغلاق عدد كبير من الأنشطة التجارية والصناعية الصغيرة التي تعتمد على الطلب المحلي.
وتشير تقديرات اقتصادية حديثة تابعها بقش إلى أن هذا التراجع أدى إلى تعطل آلاف المنشآت الإنتاجية، مع توقف عدد من الشركات أو إعلان إفلاسها نتيجة انخفاض المبيعات وارتفاع تكاليف التشغيل.
وفي خضم أزمة الرواتب، برزت نقاشات محلية حول إمكانية الاستفادة من عائدات النفط في محافظة مأرب لمعالجة مشكلة الرواتب، خاصة مع تقديرات تشير إلى أن إيرادات شركة صافر تصل إلى نحو 47 مليار ريال شهرياً.
ووفق حسابات متداولة، فإن رواتب نحو 100 ألف جندي بمتوسط راتب يبلغ 100 ألف ريال شهرياً لن تتجاوز 10 مليارات ريال، وهو مبلغ يقل كثيراً عن حجم العائدات النفطية المقدّرة للشركة، وهو ما دفع ناشطين إلى مطالبة الحكومة بتغطية الرواتب عبر جزء من هذه الإيرادات، فيما لم تعلق الشركة والسلطة المحلية على هذه التناولات حتى لحظة كتابة هذا التقرير.
هذه التطورات تعكس مدى فتك الضغوط الاقتصادية والمعيشية بالمواطنين، فتأخر صرف الرواتب وشح السيولة المحلية وارتفاع الأسعار والتكاليف، كل ذلك أدخل الأسواق في حالة من الركود قبيل حلول العيد، وسط “تقشف عيدي” اضطراري يلجأ إليه المواطنون. ومع استمرار هذه العوامل، تزداد المخاوف من اتساع نطاق الأزمة الاقتصادية وتأثيرها على مستويات المعيشة وفرص العمل، ما يجعل معالجة أزمة الرواتب والسيولة أبرز الأولويات التي لا تزال حكومة عدن وبنك عدن المركزي يلتزمان الصمت حيال تفاقُمها.


