أخبار الشحن
أخر الأخبار

الاختناق الكبير.. كيف قلب إغلاق مضيق هرمز خطوط التجارة في الخليج؟

أخبار الشحن | بقش

أمام التوترات الإقليمية المتصاعدة والقيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز، تتجه كبرى شركات الشحن العالمية إلى بدائل اضطرارية لضمان استمرار تدفق التجارة الدولية وتقليل المخاطر التشغيلية، وفي هذا السياق أعلنت شركة الشحن الفرنسية “CMA CGM” عن تبنّي حلول لوجستية بديلة تعتمد على منظومات نقل متعددة الوسائط، تجمع بين الشحن البحري والنقل البري والسكك الحديدية، لتجاوز الصعوبات الراهنة.

وفق اطلاع “بقش”، تركّز الشركة في استراتيجيتها الجديدة على تأمين سلامة الطواقم والموظفين كأولوية قصوى، بالتوازي مع الحفاظ على استمرارية سلاسل الإمداد، ومن خلال توظيف بنيتها التحتية المتكاملة، تعمل على إعادة توجيه مسارات الشحن بعيداً عن المناطق عالية المخاطر، مع ضمان بقاء العمليات اللوجستية فعّالة ومنتظمة.

تبرز الموانئ الواقعة جنوب مضيق هرمز كنقاط ارتكاز رئيسية في هذه الخطة، حيث يتم الاعتماد على موانئ مثل خورفكان والفجيرة وصحار كمحاور دخول للبضائع المتجهة إلى أسواق الخليج، ومن هذه المراكز يتم تشغيل ممرات نقل متعددة الوسائط تربط البضائع بالمراكز اللوجستية الكبرى داخل الإمارات، بما في ذلك ميناء خليفة وميناء جبل علي والشارقة، إلى جانب ربطها بالدول المجاورة عبر شبكات النقل البري والخدمات البحرية المغذية.

وفي خطوة موازية، تبرز أهمية ميناء جدة الإسلامي على البحر الأحمر كمسار بديل استراتيجي، حيث يتيح تجاوز مضيق هرمز، وتقوم الشركة الفرنسية بتشغيل ممرات برية لخدمة أسواق المنطقة، بما في ذلك الدمام والإمارات وقطر والبحرين والكويت والعراق، مع ربط هذه التدفقات التجارية بأسواق البحر الأبيض المتوسط وآسيا بشكل مباشر.

كما تمثل الموانئ العمانية خياراً ثالثاً مرناً، إذ توفر إمكانيات الربط البري مع الإمارات، إضافة إلى خدمات التغذية البحرية نحو موانئ الخليج العليا، ما يعزز من تنوع الخيارات اللوجستية ويقلل من الاعتماد على مسار واحد.

وترى شركات الشحن العالمية أن المسارات التقليدية لم تعد كافية وسط المخاطر الجيوسياسية، إذ أصبح التنويع والمرونة عنصرين حاسمين في استدامة سلاسل الإمداد، ومن شأن هذه الاستراتيجية أن تخفف من حدة الاضطرابات المحتملة، لكنها في الوقت ذاته قد ترفع التكاليف التشغيلية وتعيد تشكيل موازين المنافسة بين الموانئ والمراكز اللوجستية في المنطقة.

سباق لوجستي مكلف لتأمين السلع

في أعقاب إغلاق مضيق هرمز يشهد قطاع التجارة في منطقة الخليج تغيرات سريعة ومكلفة، مع تسابق المستوردين لإعادة توجيه مسارات الشحن وتأمين تدفق السلع الحيوية، من الغذاء إلى الأدوية ومستلزمات الإنتاج، حسب قراءة بقش تقريراً حديثاً لرويترز.

وأشارت رويترز إلى أن شركات الشحن والخدمات اللوجستية بدأت بتنفيذ حلول بديلة، تمثلت في تغيير وجهات السفن والاعتماد على موانئ خارج المضيق، مثل الفجيرة وخورفكان وصحار، قبل نقل البضائع براً إلى وجهاتها النهائية داخل الخليج، لكن هذه الحلول، رغم ضرورتها، جاءت بكلفة مرتفعة وتعقيدات تشغيلية كبيرة، إذ تشير التقديرات إلى أن النقل البري قد يكون أعلى عدة مرات من الشحن البحري التقليدي.

وتكشف البيانات التي طالعها بقش عن حجم الاضطراب، حيث تم تغيير مسار عشرات السفن التي كانت متجهة إلى موانئ داخل المضيق، بينما تم تحويل مسارات أخرى بعيداً عن الخليج بالكامل، كما برزت أزمة خاصة في السلع سريعة التلف، مثل المنتجات الزراعية، التي باتت مهددة بالتلف بسبب التأخيرات، وسط قيود لوجستية تتعلق بوثائق الاستيراد المرتبطة بالموانئ الأصلية.

في المقابل، تواجه الموانئ البديلة ضغوطاً تشغيلية غير مسبوقة، إذ لا تمتلك القدرة الاستيعابية الكافية مقارنة بموانئ رئيسية مثل ميناء جبل علي، ما أدى إلى ازدحام وتأخيرات في التخليص الجمركي، وللتعامل مع هذا الضغط رفعت شركات النقل عدد الرحلات البرية بشكل كبير، مع زيادة في تكاليف الشحن تراوحت بين 5% و15%، نتيجة ارتفاع الطلب وتكاليف الوقود والإجراءات الحدودية.

ورغم هذه البدائل، تبقى المخاطر قائمة، إذ إن بعض الموانئ خارج المضيق ليست بمنأى عن التهديدات العسكرية، ما يعزز حالة عدم اليقين، وقد دفع ذلك بعض الشركات إلى اللجوء إلى الشحن الجوي كخيار طارئ رغم تكلفته العالية، للحفاظ على تدفق السلع الأساسية خصوصاً المواد الغذائية الطازجة.

في الوقت ذاته، بدأت ملامح إعادة تشكيل الخريطة اللوجستية الإقليمية بالظهور، مع تزايد الاعتماد على موانئ البحر الأحمر، مثل ميناء جدة الإسلامي، إلى جانب استخدام مراكز تخزين في دول مثل الهند وباكستان، ومن ثم إعادة شحن البضائع عبر سفن أصغر إلى موانئ قريبة من الخليج.

ورغم حدة الأزمة، لم تصل تداعياتها حتى الآن إلى مستوى نقص حاد في السلع، إذ تؤكد بعض الدول امتلاكها مخزونات استراتيجية تكفي لعدة أشهر، لكن استمرار الوضع الحالي ينذر بموجة تضخم في الأسعار، وضغوط متزايدة على سلاسل الإمداد، ما قد يعيد رسم ملامح التجارة في المنطقة بشكل طويل الأمد، ويكرّس التحول نحو مسارات أكثر تنوعاً ولكن أعلى تكلفة.

زر الذهاب إلى الأعلى