
الاقتصاد العالمي | بقش
مع تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها، أعادت طهران صياغة أولوياتها التفاوضية، وأدرجت مطلباً غير مسبوق يتمثل في الاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، وفق أحدث التقارير التي اطلع عليها “بقش”.
وطالما استخدمت طهران التهديد بإغلاق المضيق كأداة ردع في مواجهة الضغوط العسكرية، إلا أن تطورات الحرب الأخيرة أظهرت لإيران أن هذه الورقة أكثر فاعلية مما كان يُعتقد، حسب شبكة CNN، فالتعطيل شبه الكامل لحركة الملاحة لم يستغرق وقتاً طويلاً حتى انعكس اضطراباً حاداً في أسواق الطاقة العالمية، نظراً لأن نحو خُمس إمدادات النفط العالمية تمر عبر هذا الممر الضيق.
ودفع هذا التأثير السريع والمباشر إيران إلى الانتقال من منطق التهديد المؤقت إلى التفكير في استثمار دائم لهذه الورقة، عبر تحويل السيطرة الفعلية إلى مطلب سياسي رسمي يُطرح على طاولة مفاوضات إنهاء الحرب.
وأدى توقف الشحن تقريباً عبر المضيق إلى إدخال أسواق الطاقة في حالة ارتباك، مع ارتفاع أسعار الوقود عالمياً واضطرار دول بعيدة جغرافياً عن الخليج إلى اتخاذ تدابير طارئة لتأمين احتياجاتها، وعزز هذا الواقع قناعةً داخل طهران بأن السيطرة على المضيق تمنحها قدرة استثنائية على التأثير في الاقتصاد العالمي بتكلفة منخفضة نسبياً.
وحسب التقديرات المتداولة، فإن إيران لم تكن تتوقع أن يكون تعطيل هذا الشريان الحيوي بهذه السهولة أو بهذا الأثر الواسع، ما شجعها على التفكير في توسيع نطاق استخدامه، ليس فقط كوسيلة ضغط، بل كرافعة مالية.
بدء فرض الرسوم فعلياً
وخلال الأيام الثلاثة الأخيرة، تجري أنباء عن أن إيران بدأت بالفعل بفرض رسوم عبور تصل إلى مليوني دولار على بعض السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز. والخميس، بحث البرلمان الإيراني مشروع قانون رسمي لفرض الرسوم.
وقال رئيس لجنة الإعمار في البرلمان الإيراني محمد رضا رضائي كوجي، إنه يتم العمل على إعداد مسودة مشروع قانون يقضي بفرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز، مقابل تأمين إيران الملاحة في الممر البحري الاستراتيجي، مضيفاً أن المجلس يعمل على إعداد مشروع “يرسّخ السيادة والإشراف الإيرانيين” على مضيق هرمز بـ”شكل قانوني”، مع الاستفادة من ذلك في توفير مصدر دخل جديد للبلاد عبر تحصيل الرسوم.
وأعدّت مسودة أولية للمشروع بالفعل، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة طرحها رسمياً، ومن المقرر عرض المسودة هذا الأسبوع على مركز أبحاث البرلمان لاستكمالها من الناحية القانونية، قبل تقديمها ومتابعتها في جلسات المجلس.
ويقضي المشروع بأن تتلقى إيران رسوماً مقابل تأمين سلامة السفن التي تعبر المضيق، وهو إجراء تعتبره إيران “طبيعياً”، إذ إن العديد من الدول تفرض رسوماً على مرور البضائع عبر ممراتها، حسب ما أوردته وكالة “فارس” الإيرانية.
وتشير التقديرات إلى أن فرض رسوم بنحو مليوني دولار على كل ناقلة نفط عملاقة قد يدرّ نحو 20 مليون دولار يومياً، أي ما يقارب 600 مليون دولار شهرياً من النفط وفق اطلاع بقش، مع إمكانية تجاوز 800 مليون دولار عند احتساب شحنات الغاز الطبيعي.
وهذه الأرقام تضع المشروع المحتمل في نطاق إيرادات ممرات استراتيجية عالمية مثل قناة السويس، وهو ما يعكس الطموح الإيراني لتحويل المضيق إلى مورد اقتصادي يعوّض جزئياً آثار العقوبات الدولية التي تحدّ من قدرتها على تصدير النفط بحرية.
لكن هذا الطرح يواجه رفضاً واسعاً، خصوصاً من الولايات المتحدة وحلفائها، الذين يرون أن فرض رسوم على المرور في مضيق دولي يشكل انتهاكاً صريحاً لقواعد الملاحة البحرية، ووفقاً لمبادئ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار فإن المضائق الدولية تضمن حق “المرور العابر” لجميع الدول دون عوائق أو رسوم.
ورغم أن إيران والولايات المتحدة ليستا طرفين رسميين في الاتفاقية، فإن قواعدها الأساسية تُعتبر جزءاً من الأعراف الدولية الملزمة، ما يجعل أي محاولة لفرض رسوم أو قيود عرضة لرفض دولي واسع وربما تصعيد أكبر.
نظام تسجيل للسفن
وعلى المستوى العملي، تشير المؤشرات إلى أن إيران بدأت بالفعل اختبار نموذج أولي لنظام عبور مُدار. فقد أظهرت بيانات الملاحة أن بعض السفن باتت تسلك مسارات أقرب إلى السواحل الإيرانية، مع تقارير غير مؤكدة عن دفع رسوم مقابل المرور الآمن. كما أنشأت طهران نظام تسجيل للسفن، وفتحت قنوات تواصل مباشرة مع بعض الدول لضمان عبور ناقلاتها بأمان، في خطوة توحي بمحاولة فرض أمر واقع تدريجي دون إعلان رسمي كامل.
في المقابل، يعيش قطاع الشحن حالة شلل شبه تام، مع تراجع حاد في عدد السفن العابرة، ما يعكس حجم المخاطر التي باتت تحيط بالممر.
وتحاول إيران تقديم نموذج بديل للإغلاق الكامل، عبر الإبقاء على المضيق مفتوحاً “للسفن غير المعادية” بشرط التنسيق المسبق، وهذا الطرح يمنحها قدرة على التحكم الانتقائي في حركة الملاحة، وربطها بالاعتبارات السياسية، ما يحول المضيق إلى أداة ضغط مرنة بدلاً من سلاح شامل قد يثير ردود فعل عسكرية مباشرة.
إلى ذلك، أدى هذا الوضع إلى تقليص الإمدادات النفطية بشكل ملحوظ، مع اضطرار بعض الدول المنتجة في المنطقة إلى خفض إنتاجها بملايين البراميل يومياً نتيجة صعوبات التصدير، كما ساهم في رفع أسعار الوقود عالمياً، وزيادة الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة.
وبالنظر إلى أن الحرب بدأت في أواخر فبراير، فإن استمرار هذا الوضع يهدد بإعادة تشكيل خريطة تدفقات الطاقة العالمية، وربما تسريع البحث عن بدائل استراتيجية للممرات البحرية التقليدية. وفي المجمل، يؤكد طرح السيادة على مضيق هرمز على تغيير عميق في الاستراتيجية الإيرانية، إذ تجري محاولة إعادة هندسة قواعد اللعبة الجيوسياسية في المنطقة، إلا أن نجاح هذا الطموح يبقى رهناً بمدى قدرة طهران على فرضه في مواجهة رفض دولي واسع، وتعقيدات قانونية، واحتمالات التصعيد العسكري.


