أخبار الشحن
أخر الأخبار

المضايق البحرية: العُقد الخفية التي تحكم الاقتصاد العالمي من الطاقة إلى الغذاء

أخبار الشحن | بقش

أعادت الحرب في الشرق الأوسط، وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، تسليط الضوء على حقيقة جوهرية في بنية الاقتصاد العالمي، وهي أن التجارة الدولية تُدار ليس فقط عبر الأسواق والمصانع، ولكن عبر ممرات مائية ضيقة تتحكم فعلياً في تدفق الطاقة والسلع وكلفة نقلها، وهذه المضايق تُعد “عُقداً حاكمة” في شبكة الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيها يتحول سريعاً إلى أزمة عالمية متعددة الأبعاد.

وتشير البيانات التي يتتبَّعها “بقش” إلى أن النقل البحري يحمل أكثر من 80% إلى 90% من حجم التجارة العالمية، وأكثر من 70% من قيمتها، بإجمالي شحن بلغ نحو 12 مليار طن سنوياً، وذلك يجعل من المضايق البحرية نقاط اختناق لا يمكن تعويضها بسهولة، مقارنة بالنقل الجوي أو البري اللذين يظلان مكملين فقط، لا بدائل حقيقية للتجارة العابرة للقارات.

وتتمحور التجارة العالمية حول مجموعة من المضايق والقنوات الاستراتيجية، أبرزها مضايق الطاقة والتجارة الكبرى ويتصدرها “مضيق هرمز” الذي يعتبر أهم ممر للطاقة عالمياً، ويمر عبره من 20 إلى 21 مليون برميل يومياً، أي 38% من تجارة النفط الخام البحرية، و29% من غاز النفط المسال، و19% من الغاز الطبيعي المسال، و19% من المنتجات النفطية.

ولدينا “مضيق ملقا” وهو شريان آسيا الحيوي، ويعبره نحو 23 مليون برميل يومياً، ويغذي اقتصادات الصين واليابان وكوريا الجنوبية. وكذلك “باب المندب” بوابة البحر الأحمر نحو قناة السويس، وأي اضطراب فيه يدفع السفن للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بتكلفة أعلى كما حدث طوال العامين الماضيين على خلفية استهداف قوات صنعاء للسفن الأمريكية والإسرائيلية نتيجة حرب الإبادة على غزة.

أما القنوات الاصطناعية بالكامل فهي قنوات استراتيجية، وهي “قناة السويس” التي تختصر المسافة بين آسيا وأوروبا، وتعد أحد أهم ممرات التجارة العالمية، و”قناة بنما” الرابطة بين الأطلسي والهادئ، وتخدم التجارة بين الأمريكتين وآسيا.

وهناك الممرات الإقليمية الحساسة، وهي “مضيق تايوان” و”قناة باشي”، وهما محورا سلاسل الإمداد الآسيوية، خاصة في صناعة الشرائح الإلكترونية. وكذا “مضيق البوسفور” و”مضيق الدردنيل”، ويربطان البحر الأسود بالمتوسط، و”مضيق جبل طارق” وهو مدخل المتوسط من الغرب، و”القناة الإنجليزية” أحد أكثر الممرات ازدحاماً في أوروبا.

لماذا هذه المضايق حاسمة؟

وفق تناولات “بقش”، تكمن أهمية هذه الممرات في ثلاث وظائف أساسية، وهي اختصار الزمن والكلفة (تقليل مسافات الشحن بشكل كبير)، وتركيز التدفقات (مرور كميات ضخمة من الطاقة والسلع عبر نقاط محددة)، وصعوبة الاستبدال (البدائل غالباً أطول وأكثر كلفة وأقل أماناً).

لهذا، فإن أي اضطراب فيها لا يبقى محلياً، وينتقل بسرعة إلى أسعار الشحن، وتكاليف الطاقة، والتأمين، وأسعار الغذاء، ومعدلات التضخم، والنمو الاقتصادي أيضاً.

وتخضع هذه الممرات لقواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي توازن بين سيادة الدول الساحلية، وحق الملاحة الدولية. ويبرز مفهومان رئيسيان هما المرور البريء، أي عبور غير ضار داخل المياه الإقليمية، والمرور العابر، أي حرية مرور كاملة في المضايق الدولية دون تعطيل.

لكن التطبيق ليس موحداً، إذ تخضع بعض المضايق لاتفاقيات خاصة، وتبقى أخرى محل جدل قانوني، خصوصاً في مناطق التوتر مثل هرمز وتايوان.

عندما تتحول المضايق إلى أزمات عالمية

تاريخ هذه الممرات حافل بالأزمات التي كشفت هشاشة النظام العالمي. في مضيق هرمز تراجع عدد السفن من 129 يومياً إلى مستويات متدنية في مارس 2026، وأدى ذلك إلى ارتفاع النفط بنسبة 27% والغاز الأوروبي بنسبة 74% خلال أيام، كما أدى إلى تهديد مباشر لإمدادات الغذاء والأسمدة عالمياً.

وفي باب المندب دفعت الأزمة البحرية السفن إلى تغيير مساراتها وتكبدت تكاليف أعلى رغم استفادة بعض الشركات من تطويل الأزمة لجني أرباح أكبر. وفي قناة بنما حدث الجفاف خلال 2023–2024 مما قلص حركة العبور. كما شهد مضيق ملقا مخاطر القرصنة والازدحام المستمر، وشهد مضيق تايوان توترات عسكرية تجعل الممر أحد أخطر نقاط الاختناق. وسابقاً شهد مضيق هرمز “حرب الناقلات” في الثمانينيات، ما يؤكد أن هذه الممرات يمكن أن تتحول بسهولة إلى بؤر صراع عالمي.

ولا يقتصر تأثير اضطراب المضايق على النفط والغاز، ليمتد إلى سلاسل الإمداد الصناعية، وأسعار الغذاء والأسمدة، وتكاليف الإنتاج، واستقرار الدول النامية حسب متابعات بقش. فالدول الأكثر هشاشة اقتصادياً هي الأكثر تأثراً، نظراً لاعتمادها الكبير على الواردات، خصوصاً من الطاقة والمواد الأولية.

الخلاصة أن الجغرافيا تحكم الاقتصاد العالمي رغم التقدم التكنولوجي، فهذه المضايق، على ضيقها، تحمل أوزاناً استراتيجية هائلة، وأي خلل فيها يضرب الأسواق ويعيد توزيع القوة الاقتصادية بين الدول.

زر الذهاب إلى الأعلى