
تقارير | بقش
توزّع إدارة ترامب أعباء الأزمة في الشرق الأوسط على الحلفاء، وسط استمرار تداعيات الحرب على أسواق الطاقة العالمية وقطاع الطيران بشكل خاص، إذ صعّد الرئيس الأمريكي لهجته الحادة تجاه الحلفاء الأوروبيين والغربيين، متهماً إياهم بالتقاعس عن دعم العمليات العسكرية ضد إيران، ومؤكداً أن الولايات المتحدة “لن تقاتل بعد الآن من أجل مصالح الآخرين”.
تصريحات ترامب التي تابعها “بقش” حملت دعوة صريحة وغير مسبوقة للدول المتضررة من إغلاق المضيق، بضرورة “الذهاب وأخذ النفط بأنفسهم”، في إشارةٍ إلى تخلي واشنطن التدريجي عن دورها التقليدي كضامن لأمن الملاحة.
وذهب ترامب أبعد من ذلك عبر طرح خيارين، إما شراء الوقود من الولايات المتحدة، التي أكد امتلاكها “وفرة”، أو التحرك عسكرياً لضمان تدفق الإمدادات، وهو ما يعبّر عن مقاربة جديدة تقوم على “خصخصة الأمن الجيوسياسي”، حيث تتحول حماية الإمدادات من مسؤولية قوة عظمى إلى عبء مباشر على الدول المستهلِكة، خصوصاً أوروبا التي تعتمد بشكل كبير على واردات الوقود من الخليج.
تناقض استراتيجي: بقاء عسكري مع نية الانسحاب
رغم هذا الخطاب التصعيدي، أكد ترامب أنه “ليس مستعداً بعد” لسحب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط، ما يكشف عن تناقض واضح بين الرغبة في تقليص الالتزامات العسكرية وبين الحاجة للحفاظ على النفوذ الميداني، وفي الوقت نفسه أبدى استعداداً لإنهاء الحرب حتى لو بقي المضيق شبه مغلق، في إشارة إلى أولوية تقليص كلفة الصراع زمنياً على حساب استقرار الأسواق.
وتشير تسريبات من داخل الإدارة الأمريكية إلى أن خيار فتح المضيق بالقوة قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب إلى ما يتجاوز الإطار الزمني الذي حدده ترامب (4 إلى 6 أسابيع)، ما دفع واشنطن إلى التفكير في الاكتفاء بإضعاف القدرات الإيرانية البحرية والصاروخية، ثم نقل عبء إعادة فتح المضيق إلى الحلفاء.
وعلى الأرض، أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى حرمان الأسواق من جزء كبير من الشحنات النفطية، خصوصاً تلك الموجهة إلى آسيا وأوروبا، كما اضطرت مصافٍ آسيوية إلى خفض الإنتاج بسبب نقص الخام القادم من الشرق الأوسط، ما يعكس هشاشة سلاسل الإمداد العالمية أمام الصدمات الجيوسياسية.
وتبرز أوروبا كأكثر المتضررين، إذ تعتمد بنحو نصف وارداتها من وقود الطائرات (الكيروسين) على الخليج، ما يجعلها في قلب الأزمة، خاصة مع عدم مشاركتها الفاعلة في العمليات العسكرية، وفق الانتقادات الأمريكية.
قطاع الطيران.. الحلقة الأضعف في الأزمة
في ضفة أخرى، يُعد قطاع الطيران الأكثر تأثراً بهذه التطورات، مع وصول الطلب العالمي على وقود الطائرات إلى نحو 7.8 مليون برميل يومياً حسب اطلاع بقش، ومع تقلص الإمدادات يواجه القطاع سيناريو مزدوجاً، ما بين تقليص الرحلات لتخفيف الطلب، والسحب من المخزونات لتعويض النقص.
وحذرت شركات طيران كبرى، من بينها “يونايتد إيرلاينز” الأمريكية، من أن أسعار التذاكر قد ترتفع بنحو 20%، وهو ما ينذر بتداعيات واسعة على حركة السفر والسياحة العالمية، خاصة مع اقتراب مواسم العطلات.
وتكشف هذه التطورات في المجمل عن تحول أعمق في بنية النظام الدولي، إذ يتراجع الدور الأمريكي كضامن أمني عالمي، وتتصاعد الضغوط على الحلفاء لتحمل أعباء عسكرية واقتصادية، مع انكشاف هشاشة سلاسل الطاقة أمام الاختناقات الجيوسياسية. وبينما تؤكد واشنطن أنها “أنجزت الجزء الصعب” بـ”إضعاف إيران”، فإن الواقع يشير إلى أن الجزء الأكثر تعقيداً لم يبدأ بعد، وهو إعادة فتح شريان الطاقة العالمي دون الانزلاق إلى حرب أطول وأكثر كلفة.


