أزمة الوقود بمناطق الحكومة اليمنية.. بين النفي الرسمي وواقع الطوابير والسوق السوداء

الاقتصاد اليمني | بقش
اتخذت أزمة الوقود في مناطق حكومة عدن طابعاً مركباً يؤكد اختلالات عميقة في بنية السوق وآليات التوزيع، وفي العلاقة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي للمواطنين، ففي الوقت الذي أكدت فيه شركة النفط اليمنية بعدن استقرار الوضع التمويني، تشكلت على الأرض صورة مغايرة عنوانها الطوابير الطويلة ورفع الأسعار واتساع رقعة السوق السوداء.
وبعد تداول أنباء حول نفاد مادة البنزين من السوق المحلية في عدن، نفى فرع شركة النفط اليمنية صحة هذه التداولات، واصفةً إياها بالشائعات المضللة التي تهدف إلى إثارة الفوضى والقلق بين المواطنين، وقالت الشركة إنها تتابع بدقة تدفق الوقود لضمان تلبية احتياجات السوق بشكل طبيعي.
أكدت الشركة، في بيانها الذي حصل “بقش” على نسخة منه، انتظام عملية تموين كافة المحطات الحكومية والخاصة بمادة البترول (المحلي والمستورد) في مختلف المحافظات الواقعة ضمن نطاقها الجغرافي، وذلك وفق آلية عمل منسقة مع الجهات الحكومية والسلطات المحلية. وأشار البيان إلى أن تدفق الإمدادات مستمر دون انقطاع، مما يضمن توافر المادة في كافة المنافذ المعتمدة وتلبية الطلب المتزايد في ظل الظروف الراهنة.
وأوضحت قيادة الشركة أنها تعمل على تأمين احتياجات السوق دون أي تغيير أو رفع في الأسعار الرسمية، رغم الأزمة النفطية العالمية وتصاعد التوترات في منطقة الخليج والشرق الأوسط للشهر الثاني على التوالي، ودعت الشركة وسائل الإعلام والمواطنين إلى تحري الدقة واستقاء المعلومات من المصادر والصفحات الرسمية التابعة لها، تجنباً للوقوع ضحية لعمليات التلاعب والمضاربة بالوقود.
بدا هذا الخطاب كمحاولة لاحتواء حالة القلق المتصاعدة، خاصة في ظل الظرف الإقليمي المضطرب المرتبط بالحرب على إيران، لكن هذا النفي، رغم وضوحه، لم يكن كافياً لتبديد مشاهد الازدحام أمام محطات الوقود، حيث اصطفت السيارات في طوابير طويلة تعكس ضغطاً فعلياً على الإمدادات، أو على الأقل اختلالاً في وصولها إلى المستهلك النهائي.
وفتح هذا التناقض المجال لطرح تساؤلات حول حدوث نقص فعلي في الوقود، أو خلل في التوزيع، أو وجود عوامل خفية تعيد ترتيب السوق بعيداً عن القنوات الرسمية.
أزمة شاملة في المحافظات
تمتد طوابير المواطنين في محافظة “عدن” إلى محافظات أخرى. في محافظة أبين، على سبيل المثال، لا تقتصر الأزمة بمديرية “لودر” على طوابير انتظار أمام المحطات، ويصل الأمر إلى حد الانعدام شبه الكلي للمادة في المحطات، بالتوازي مع ارتفاع مفاجئ في الأسعار، الأمر الذي وضع المواطنين أمام واقع معيشي خانق، خاصة مع اعتمادهم الكبير على وسائل النقل في تسيير حياتهم اليومية.
وأفادت تقارير تابعها بقش بأن الأزمة في مديرية لودر تمت تغذيتها عبر عدة عوامل، أبرزها تنامي نشاط السوق السوداء التي باتت توفر الوقود بكميات محدودة وبأسعار تفوق السعر الرسمي بشكل ملحوظ، مما يكشف عن وجود فجوة حقيقية بين منظومة التوزيع الرسمية والطلب الفعلي، وهي فجوة سرعان ما تملؤها شبكات غير رسمية تستفيد من حالة الشح والارتباك. ومع غياب رقابة فعالة، يتحول الوقود إلى سلعة مضاربة تخضع لمنطق العرض والطلب خارج الأطر القانونية، ما يزيد من الأعباء على المواطنين ويفاقم شعورهم بالعجز.
وفي محاولة لاحتواء هذه الفوضى، أطلقت السلطات المحلية في محافظة “الضالع”، حملة ميدانية استهدفت محطات الوقود والغاز المخالفة، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والجهات المختصة.
أسفرت هذه الحملة وفق اطلاع بقش عن ضبط عدد من المحطات المتهمة بممارسة التلاعب بالأسعار، واتخاذ إجراءات قانونية بحق المتورطين. ومع ذلك فإن هذه الإجراءات تظل محدودة التأثير إذا لم تُستكمل بسياسات أوسع تعالج جذور المشكلة، وفق اقتصاديين.
السياق الإقليمي والخلل الأعمق
تلقي التوترات في الخليج بظلالها الثقيلة على أسواق الطاقة، سواء من خلال اضطراب سلاسل الإمداد أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما يدفع اقتصاديين، مثل المحلل الاقتصادي “أحمد الحمادي” إلى قول إنها عوامل تتسلل إلى الداخل عبر توقعات السوق وسلوك التجار، ما يقود البعض إلى تخزين الوقود أو التلاعب به تحسباً لارتفاعات قادمة، وهو ما يخلق أزمات مصطنعة تضاف إلى الضغوط الحقيقية.
لكن الحمادي يضيف، في تعليقه لـ”بقش”، أنّ أزمة الوقود في اليمن تكشف في العمق عن خلل بنيوي يتجاوز مسألة الإمداد إلى إشكالية الثقة، فالمواطن الذي يقف في طابور لساعات لا يمكن إقناعه بسهولة بأن الوقود متوفر، كما أن البيانات الرسمية، مهما بلغت دقتها، تفقد قيمتها عندما لا تنعكس على الواقع الملموس.
ويُنذر استمرار هذا الوضع دون معالجة جذرية بتفاقم الأزمة، على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، إذ يؤدي اختلال توزيع الموارد الأساسية إلى توترات متزايدة وشعور عام باللاعدالة، فيما يبقى المواطن اليمني -بين النفي الرسمي والواقع المُعاش- الحلقة الأضعف وعالقاً بين خطاب يطمئنه نظرياً وسوق ترهقه بالفعل.


