التوتر في اليمن واختبار المصالح: لماذا صمدت التجارة السعودية الإماراتية؟

الاقتصاد العربي | بقش
في الوقت الذي أعادت فيه الاضطرابات المتصاعدة في جنوب اليمن تسليط الضوء على تباينات سياسية واضحة بين السعودية والإمارات، يبرز مسار موازٍ أقل ضجيجاً لكنه أكثر ثباتاً، وهو مسار المصالح الاقتصادية العميقة التي ما تزال تربط بين الاقتصادين السعودي والإماراتي.
فرغم الخلافات الميدانية والسياسية، تبدو العلاقات التجارية بين البلدين متينة وفق تعبير وكالة “رويترز”، مدفوعةً بحسابات استراتيجية تتجاوز الاعتبارات الظرفية.
وحسب قراءة “بقش”، تُظهر التجربة الخليجية الحديثة أن الخلافات السياسية لا تقود بالضرورة إلى قطيعة اقتصادية شاملة، وعلى عكس أزمة 2017 التي شهدت فرض حصار تجاري شامل على قطر، فإن تكرار سيناريو مماثل بين الرياض وأبوظبي يبدو مستبعداً.
فالمحللون يُجمعون على أن حجم المصالح المتبادلة اليوم أكبر بكثير، وأن كلفة أي مواجهة اقتصادية ستكون مرتفعة على الطرفين، ويعزو خبراء ذلك إلى غياب “الشهية الإقليمية” لمواجهات جديدة في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وتباطؤ اقتصادي عالمي.
كما أن النظرة البراغماتية للسياسة الخارجية، باعتبارها أداة لدعم الأعمال والاستثمار لا لتعطيلهما، ما تزال تحكم سلوك العاصمتين الخليجيتين، وهو ما يسهم في تحصين الروابط الاقتصادية من التقلبات السياسية.
ترابط اقتصادي بأرقام ثقيلة
تعكس الأرقام حجم هذا التشابك، فوفق البيانات السعودية التي تتبَّعها بقش، بلغ حجم التجارة الثنائية السنوية بين السعودية والإمارات نحو 30 مليار دولار بنهاية عام 2023، مسجلاً نمواً يقارب 42% مقارنة بعام 2020.
ولم تقتصر العلاقة على التبادل التجاري فحسب، إذ كانت الإمارات خامس أكبر وجهة للصادرات السعودية، وثالث أكبر مصدر للواردات إلى المملكة خلال عام 2024، ما يؤكد مركزية أبوظبي ودبي في سلاسل الإمداد السعودية.
وتعكس هذه الأرقام شبكة مصالح مترابطة تشمل التجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية، وهو ما يجعل أي هزة سياسية محتملة أقل قدرة على تعطيل هذا المسار.
وتتسم العلاقات التجارية بين البلدين بالتنوع، إذ تمتد من النفط المكرر والذهب إلى المجوهرات والسلع الاستهلاكية المعاد تصديرها، مثل الأجهزة الإلكترونية.
ويُعد ميناء جبل علي في دبي شرياناً رئيسياً لهذه الحركة التجارية، حيث يمر عبره جزء كبير من البضائع المتجهة إلى السوق السعودية، رغم الاستثمارات الضخمة التي تضخها الرياض لتوسيع موانئها وتعزيز الشحن المباشر.
كما لا يقتصر التشابك على مستوى الشركات الكبرى، بل يمتد إلى الحياة اليومية للمستهلكين، ففي متاجر التجزئة المنتشرة في البلدين، مثل سلسلة “لولو هايبر ماركت” الإماراتية، تُعرض بشكل اعتيادي منتجات سعودية أساسية، من حليب “المراعي” إلى دجاج “اليوم”، ما يعكس تداخلاً عميقاً في الأسواق الاستهلاكية.
الاستثمارات.. ركيزة إضافية للاستقرار
على صعيد الاستثمار، تشير البيانات الإماراتية إلى أن الاستثمارات الإماراتية في السعودية تتجاوز 9.2 مليار دولار حسب اطلاع بقش، في مقابل استثمارات سعودية مباشرة في الإمارات تزيد على 4.3 مليار دولار.
كما تعمل في الإمارات أكثر من أربعة آلاف علامة تجارية سعودية، إلى جانب عشرات الوكالات التجارية والمشروعات المشتركة في قطاعات حيوية تشمل الخدمات اللوجستية وتجارة التجزئة والضيافة.
ويخلق هذا التداخل الاستثماري شبكة مصالح يصعب تفكيكها دون خسائر ملموسة، ويجعل من الاستقرار الاقتصادي أولوية تتقدم على الخلافات السياسية المؤقتة.
ورغم هذا الترابط، لا تخلو العلاقة من منافسة واضحة، فقد سبقت الإمارات جيرانها بتوقيع قرابة 30 اتفاقية تجارية ثنائية مع دول مختلفة، متجاوزةً الإطار التفاوضي البطيء لمجلس التعاون الخليجي، الذي كانت السعودية طرفاً رئيسياً فيه.
في المقابل، اتخذت الرياض خطوات وُصفت بأنها تنافسية، أبرزها قرار عام 2021 الذي اشترط على الشركات الأجنبية إنشاء مقرات إقليمية في المملكة للحصول على العقود الحكومية، في خطوة فُسرت على نطاق واسع بأنها محاولة لاستقطاب الشركات بعيداً عن دبي.
غير أن هذا التنافس، حسب خبراء استراتيجيين، ليس جديداً، ويجري ضمن حدود محسوبة، فالدفع نحو مقاطعة أو صدام اقتصادي مباشر من شأنه تقويض الطموحات التنموية الكبرى لكلا البلدين، خصوصاً في ظل خطط التحول الاقتصادي طويلة الأجل.
البعد الإقليمي
تتجاوز أهمية العلاقات التجارية السعودية الإماراتية حدود البلدين، إذ تشكل ركيزة أساسية لتدفقات التجارة والاستثمار في الشرق الأوسط.
فالسعودية، بوصفها أكبر اقتصاد عربي، والإمارات، باعتبارها مركزاً مالياً ولوجستياً محورياً، وفقاً لرويترز، تمثلان بوابتين رئيسيتين لرؤوس الأموال والبضائع والخدمات في المنطقة.
ومن شأن أي توتر اقتصادي بينهما أن يزعزع ثقة المستثمرين ويضعف الترابط الإقليمي، وهو ما يتعارض مع أولوية الاستقرار التي تسعى إليها العاصمتان.
لهذا، يبدو أن الحسابات الاقتصادية الاستراتيجية ما تزال تمسك بزمام العلاقة، وتمنع الخلافات السياسية من التحول إلى أزمة تجارية مفتوحة.
وتكشف التجربة الراهنة أن العلاقات السعودية الإماراتية تُدار اليوم بمنطق الفصل النسبي بين السياسة والاقتصاد، فرغم التباينات في ملفات إقليمية حساسة مثل اليمن، تبقى المصالح التجارية والاستثمارية عاملاً كابحاً لأي تصعيد اقتصادي.


