ترامب يختار “كيفن وارش” للتحكم في السياسة النقدية.. صراع الاستقلال في أخطر منعطف اقتصادي

الاقتصاد العالمي | بقش
في خطوة متوقعة ومثيرة للجدل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس الجمعة عن ترشيح “كيفن وارش” لتولي رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) خلفاً لـ”جيروم باول” الذي تنتهي ولايته في منتصف مايو المقبل.
ولا يقف القرار عند حدود تغيير اسم على رأس المؤسسة النقدية الأهم في العالم، بل يفتح الباب أمام إعادة تشكيل عميقة لمسار السياسة النقدية الأمريكية، وللنقاش الأوسع حول استقلالية البنك المركزي في مواجهة السلطة السياسية.
ترشيح في توقيت حساس
يأتي ترشيح وارش في مرحلة بالغة التعقيد للاقتصاد الأمريكي، حيث يتعايش نمو اقتصادي قوي نسبياً مع تضخم لا يزال عنيداً، في وقت بدأت فيه سوق العمل تُظهر إشارات تباطؤ بعد سنوات من التوظيف المرتفع وفق متابعة بقش. وهذا التداخل بين مؤشرات إيجابية وضغوط كامنة يجعل أي تغيير في قيادة الاحتياطي الفيدرالي محط أنظار الأسواق العالمية، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه البنك في تحديد تكلفة الائتمان داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ترامب، الذي لم يُخفِ يوماً استياءه من سياسات جيروم باول، واصل منذ عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي هجومه العلني على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، متهماً إياه بعدم الاستجابة لمطالبه المتكررة بخفض أسعار الفائدة.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى ترشيح وارش باعتباره امتداداً لمحاولة البيت الأبيض فرض نفوذ أكبر على مؤسسة لطالما عُدّت رمزاً للاستقلال عن السياسة.
من هو كيفن وارش؟
كيفن وارش، البالغ من العمر 55 عاماً، محامٍ واقتصادي، شغل سابقاً عضوية مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، وكان حاضراً خلال واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ البنك، وهي الأزمة المالية العالمية عام 2008.
ويشغل وارش حالياً منصب زميل زائر في الاقتصاد في مؤسسة هوفر بجامعة ستانفورد، إلى جانب كونه شريكاً في مكتب عائلة المستثمر الملياردير ستانلي دراكنميلر.
ورغم أنه ليس عضواً رسمياً في الإدارة الأمريكية، إلا أن وارش يُعد من الدائرة القريبة من ترامب، إذ يُعرف عنه حضوره المتكرر في ضيعة الرئيس بفلوريدا، كما كان اسمه مطروحاً بقوة لتولي رئاسة الفيدرالي خلال الولاية الأولى لترامب عام 2017، قبل أن يقع الاختيار حينها على جيروم باول.
“مظهر وارش” سبب اختياره
كشفت مصادر مقربة من وارش أن قرار ترامب لم يكن مبنياً فقط على الرؤية الاقتصادية أو الخبرة المهنية، بل شمل أيضاً اعتبارات شخصية، فقد أشارت مصادر تتبَّعها بقش إلى أن “مظهر وارش” لعب دوراً في ترجيح كفته ضمن قائمة نهائية ضمت أربعة مرشحين، مضيفاً أن ترامب عبّر له في أكثر من مناسبة عن اعتقاده بأنه “يبدو مناسباً لمنصب مدير بنك مركزي”، واصفاً إياه بأنه “رجل حَسَن المظهر”.
كما جاء الترشيح بعد حملة ضغط نشطة قادها حلفاء وارش، من بينهم حماه رون لاودر، أحد أبرز داعمي ترامب، إضافةً إلى الملياردير ستانلي دراكنميلر.
وخلال فترة عمله السابقة في مجلس الاحتياطي، عُرف وارش بميله إلى التشدد في مواجهة التضخم، إلا أن مواقفه الأخيرة تشير إلى تبنّيه توجهاً أكثر دعماً لخفض أسعار الفائدة، انسجاماً مع رؤية ترامب.
ويؤكد وارش أن الرئيس محق في الضغط على البنك المركزي لإجراء تخفيضات حادة في الفائدة، منتقداً في الوقت ذاته ما يراه تقليلاً من جانب الفيدرالي لقدرة نمو الإنتاجية –ولا سيما المدعومة بالذكاء الاصطناعي– على كبح التضخم.
كما دعا وارش صراحةً إلى “تغيير النظام” داخل الاحتياطي الفدرالي، مبدياً أسفه لتوسيع الميزانية العمومية للبنك بشكل كبير خلال فترة توليه منصب المحافظ، ومعتبراً أن مهمة الاحتياطي تجاوزت بكثير أهدافها التقليدية المتمثلة في كبح التضخم وتعظيم التوظيف.
معركة المصادقة في مجلس الشيوخ
رغم إعلان الترشيح، فإن الطريق أمام وارش ليس ممهداً بالكامل، إذ يتطلب توليه المنصب موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي، في عملية يُتوقع أن تكون شاقة ومثيرة للجدل. فقرار وزارة العدل الأمريكية، في يناير، بفتح تحقيق جنائي بحق جيروم باول، ألقى بظلال ثقيلة على مسألة استقلالية الاحتياطي، ورفع منسوب التوتر السياسي المحيط بالمؤسسة.
وفي هذا السياق، أعلن السيناتور الجمهوري توم تيليس صراحةً أنه لن يدعم أي مرشح لترامب لمجلس الاحتياطي في ظل التحقيق الجاري، ما يعزز احتمالات مواجهة معارضة داخل المجلس حسب اطلاع بقش. كما فتحت هذه التطورات الباب أمام احتمال أن يختار باول البقاء عضواً في مجلس الاحتياطي حتى بعد انتهاء ولايته كرئيس، في محاولة لحماية البنك من الوقوع تحت قبضة سياسية مباشرة.
واختُتم بترشيح وارش سباقٌ استمر أشهراً، واتخذ في كثير من مراحله طابع “تجربة أداء” علنية، فقد ظهر وارش إلى جانب مستشار البيت الأبيض الاقتصادي كيفن هاسيت ومرشحين بارزين آخرين مثل كريستوفر والر وريك ريدير، بشكل متكرر على شاشات التلفزيون، مستعرضين مؤهلاتهم ورؤاهم للاقتصاد والسياسة النقدية.
ويرى مراقبون أن وارش، حتى قبل توليه المنصب رسمياً، قد يؤدي دور “الرئيس الظل” للاحتياطي الفيدرالي حتى نهاية ولاية باول، في ظل قربه من ترامب واحتمال دفعه بعدد من أولويات الرئيس داخل المؤسسة.
حذر الأسواق
فور إعلان الترشيح، سجّلت الأسواق العالمية تفاعلاً متبايناً وفق متابعات بقش، فقد ارتفعت الأسهم العالمية بشكل طفيف، وصعد الدولار، فيما تراجع الذهب، في إشارة إلى أن المستثمرين ينظرون إلى وارش على أنه داعم لخفض الفائدة، لكن دون الذهاب إلى سياسات مفرطة في الجرأة كما كان يُخشى مع بعض المرشحين الآخرين.
أستاذ الاقتصاد في كلية ويليامز، كينيث كوتنر، قال لشبكة CNBC إن الأسواق في المدى القريب “ليست منزعجة” من الترشيح، مشيراً إلى أن عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً لم تشهد تغيراً يُذكر، ما يعكس عدم توقع المستثمرين لارتفاع التضخم مقارنة بمستوياته الحالية. لكنه حذّر في الوقت ذاته من أن تداعيات التعيين على استقلالية الاحتياطي لا تزال غير واضحة.
من جانبه، رأى روس مولد، مدير الاستثمار في شركة AJ Bell، أن ردّة فعل الأسهم الأمريكية تشير إلى أن “أسوأ مخاوف الأسواق لم تتحقق”، مضيفاً أن وارش، رغم دعوته الأخيرة لخفض الفائدة، ليس من السهل انقياده نحو سياسة نقدية شديدة التيسير في ظل اقتصاد متماسك وتضخم مرتفع.
وحظي ترشيح وارش بدعم شخصيات بارزة في وول ستريت، من بينهم الرئيس التنفيذي لبنك جيه بي مورغان تشيس، جيمي ديمون، الذي عبّر عن تأييده له. في المقابل، حذّر كين غريفين، رئيس شركة سيتاديل، من أن اختيار حليف مقرب للرئيس قد يحد من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على مكافحة التضخم.
ورأى مارك تشاندلر، كبير استراتيجيي الأسواق في Bannockburn Capital Markets، أن الأسواق تنظر إلى وارش بوصفه من دعاة التشدد النقدي، مشيراً إلى أن الدولار ارتفع، وعوائد الفائدة صعدت، فيما تعرضت الأسهم الأمريكية لعمليات بيع عقب الإعلان. لكنه أضاف أن السوق تدرك رغبة ترامب في أسعار فائدة أقل، وأن الطموح السياسي قد يدفع بعض المسؤولين لتعديل مواقفهم السابقة.
وسط هذا الجدل، تتباين الآراء حول قدرة وارش على الحفاظ على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. أستاذ التمويل في جامعة ستوكتون، مايكل بوسلر، أعرب عن ثقته في أن وارش سيقود البنك بكفاءة عالية، مؤكداً أن وجوده سيسهم في استقرار الأسواق المالية، وأن مخاوف قربه من الرئيس لن تؤثر في حكمه، إذ سيضع “السياسة الصحيحة فوق أي تأثيرات خارجية”.
هكذا، يضع ترشيح كيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الاتحادي الاقتصاد الأمريكي والعالمي أمام مرحلة جديدة، تتقاطع فيها السياسة مع النقد، والاستقلالية مع الضغوط، والاستقرار مع التغيير، وبينما ينتظر الجميع معركة المصادقة في مجلس الشيوخ، تبقى الأنظار معلّقة على ما إذا كان وارش سيقود الفيدرالي نحو “تغيير النظام” الذي وعد به، أم سيجد نفسه مضطراً للموازنة بين طموحات البيت الأبيض ومتطلبات استقرار أكبر بنك مركزي في العالم.


