الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

عودة النفط الفنزويلي.. طريق طويل يفوق الأحلام الأمريكية

الاقتصاد العالمي | بقش

يظل ملف النفط الفنزويلي متصدراً للنقاشات الدولية، بوصفه أداة سياسية واستراتيجية تلتقي عندها مصالح واشنطن وحسابات الشركات الغربية، ومستقبل دولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، لكنها تعيش على وقع توتر غير مسبوق.

وبعد عقود طويلة من العقوبات الأمريكية، دخل قطاع النفط الفنزويلي مرحلة تآكل عميق، وأعاد التحول السياسي الأخير، المتمثل في اعتقال الرئيس مادورو على يد الإدارة الأمريكية، خلط الأوراق وفَتَح الباب أمام سيناريوهات جديدة، يتوقع على ضوئها عدد من محللي الطاقة عودة تدريجية لإنتاج النفط الفنزويلي وفق متابعة بقش، لكن ضمن أفق زمني طويل قد يمتد إلى عقد كامل وربما أكثر.

واقع الإنتاج

فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، لكن إنتاجها تراجع بشكل حاد خلال العقد الماضي، حيث انخفض بأكثر من الثلث خلال ربع قرن، نتيجة تدهور البنية التحتية، وهجرة الكفاءات النفطية، وتراجع الاستثمارات، فضلاً عن العقوبات.

وحسب تقديرات محللي الطاقة التي تتبَّعها بقش، فإن القدرة الإنتاجية التي كانت تتراوح سابقاً بين مليوني إلى مليونين ونصف المليون برميل يومياً تراجعت بشكل كبير، وهو تراجع لا يُعد تفصيلاً ثانوياً، بل انعكاساً لانهيار هيكلي في القطاع النفطي بأكمله.

وعملت شركات النفط الأجنبية في فنزويلا لأكثر من قرن، مستفيدة من القرب الجغرافي من الولايات المتحدة، التي شكّلت شريكاً استراتيجياً رئيسياً، وكان النفط الفنزويلي الثقيل والرخيص مزيجاً مثالياً للمصافي الأمريكية، التي صُممت بنيتها التحتية خصيصاً لمعالجة هذا النوع من الخام.

وفي أوائل تسعينيات القرن الماضي، اتجهت فنزويلا إلى سياسات تهدف لتحفيز الاستثمار النفطي، لكن هذا المسار تغيّر جذرياً مع وصول هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999، حيث جرى إحكام السيطرة الحكومية على شركة النفط الحكومية، ما أدى إلى تدهور البنية التحتية، وتراجع القدرة التشغيلية، وانسحاب تدريجي للشركات الأجنبية.

وحسب موقع CNN بيزنس، يقول بشار الحلبي، محلل أسواق النفط والطاقة في شركة Argus، إن العقوبات والأوضاع السياسية والاقتصادية لعبت دوراً محورياً في خروج أعداد كبيرة من الخبرات النفطية من القطاع، ما أفقد الشركة الوطنية عمودها الفقري البشري، وفاقم من أزمة الإنتاج.

وهذه العوامل مجتمعة أدت إلى التراجعات الحادة التي شهدها القطاع خلال السنوات العشرين الماضية، وأفرغت فنزويلا عملياً من قدرتها على استغلال احتياطياتها الضخمة.

ورغم حديث ترامب عن الاعتماد على الشركات الأمريكية لإعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي، فإن الواقع أكثر تعقيداً حسب قراءة بقش، فعودة الإنتاج ليست قراراً سياسياً يُتخذ بمرسوم، بل مسار طويل محفوف بالمخاطر.

ويشير تقرير CNN إلى أن أول ما تحتاجه الشركات الأجنبية هو ضمانات واضحة من الجانب الفنزويلي، في ظل بيئة استثمارية غير مشجعة حالياً، خاصة مع مستويات أسعار النفط الراهنة. ويضاف إلى ذلك أن كلفة استخراج النفط الفنزويلي مرتفعة مقارنة بدول الجوار أو بالشرق الأوسط، ناهيك عن كلفة معالجته وتحويله إلى منتجات قابلة للتسويق.

كما أن المصافي الأمريكية، التي ستكون الوجهة الأساسية لهذا النفط، تحتاج إلى استقرار طويل الأمد في الإمدادات، وهو ما لا يمكن ضمانه دون إعادة تأهيل شاملة للقطاع.

سيناريوهات زمنية: من أشهر إلى عقود

على المدى القصير، يُنظر أن تحسينات محدودة خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة قد ترفع القدرة الإنتاجية بنحو 200 إلى 300 ألف برميل يومياً، عبر عمليات صيانة وإعادة تشغيل جزئية.

أما على المدى المتوسط والبعيد، أي بين خمس وعشر سنوات، فإن الأمر يتطلب استثمارات ضخمة قد تتجاوز 100 مليار دولار، بهدف إعادة الإنتاج إلى مستوى يقارب 3.5 ملايين برميل يومياً، وهو رقم يوازي مكانة فنزويلا النفطية التاريخية.

شركة “ريستاد إنرجي” لتحليلات الطاقة ترى وفق اطلاع بقش أن إحياء إنتاج النفط الفنزويلي ممكن من الناحية التقنية، لكن ضمن أفق زمني طويل قد يصل إلى 15 عاماً لبلوغ مستوى 3 ملايين برميل يومياً، في حال انطلقت دورة استثمار جديدة فوراً.

وتشير الشركة إلى أن استثمارات محدودة في الصيانة وإعادة التأهيل يمكن أن تضيف ما يصل إلى 300 ألف برميل يومياً، لكن تجاوز عتبة 1.4 مليون برميل يومياً سيظل صعباً دون ضخ رؤوس أموال كبيرة.

ووفق تقديراتها، تحتاج فنزويلا إلى استثمارات مستقرة تفوق 10 مليارات دولار سنوياً حتى عام 2040، لرفع الإنتاج إلى نحو مليوني برميل يومياً بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، ثم إلى 3 ملايين برميل يومياً لاحقاً. وسيُخصص جزء كبير من هذه الأموال في المراحل الأولى لإصلاح خطوط الأنابيب، ووحدات المعالجة، والبنية التحتية للموانئ.

كما ترى ريستاد إنرجي أن توليد الزخم الاستثماري يتطلب ضخ أكثر من 30 مليار دولار من رأس المال الخارجي في المراحل الأولى، مع ضرورة استقرار أسعار النفط فوق نطاق 70 إلى 80 دولاراً للبرميل خلال ثلاثينيات القرن الحالي لتحقيق هدف 3 ملايين برميل يومياً.

أما إذا بقيت الأسعار دون ذلك، فإن مستويات إنتاج تتراوح بين 2 و2.5 مليون برميل يومياً تبدو أكثر واقعية.

يقدّر ديفيد جوربناز، محلل أسواق النفط في ICIS، أن استعادة الإنتاج الفنزويلي تتطلب استثمارات تقارب 100 مليار دولار على مدى عقد تقريباً، لإعادة بناء طاقات المنبع، وخطوط الأنابيب، ووحدات المعالجة والتكرير، وبنية التصدير.

ويرى أن الإنتاج قد يصل إلى ما بين 1.3 و1.4 مليون برميل يومياً خلال سنتين إلى ثلاث سنوات، في حال توفر انتقال سياسي موثوق واستثمار مستدام، بينما يحتاج بلوغ مستويات تقارب 2.5 مليون برميل يومياً إلى فترة تتراوح بين خمس وعشر سنوات.

وفي ما يخص فرضية استحواذ الولايات المتحدة على كامل الإنتاج الفنزويلي، يعتبر جوربناز أنها غير واقعية، حتى مع نفوذ تشغيلي قوي، بسبب عقبات تتعلق بالسيادة، والمطالبات القانونية، وقابلية إنفاذ العقود، فضلاً عن المخاطر الأمنية.

أما من زاوية الإيرادات، فإن إضافة مليون برميل يومياً من الصادرات عند سعر 60 دولاراً للبرميل قد تدر نحو 22 مليار دولار سنوياً من الإيرادات الإجمالية، قبل احتساب الخصومات وتكاليف التشغيل والضرائب وخدمة الدين.

وبالنتيجة، لا يبدو مستقبل النفط الفنزويلي رهيناً بالعقوبات وحدها، ولا بالقرار الأمريكي فقط، بل بمزيج معقّد من السياسة والاستثمار والأسعار والاستقرار الداخلي، حيث تقف فنزويلا اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن تنجح في تحويل ثروتها المعطّلة إلى رافعة اقتصادية جديدة خلال عقد أو عقدين، أو تبقى احتياطياتها الهائلة حبيسة الأرض، رهينة الحسابات الدولية والهشاشة الداخلية.

زر الذهاب إلى الأعلى