حرب الهيمنة على المعادن: واشنطن تضع يدها على ثروات الكونغو وتوجهها إلى أهم دولتين في الخليج

الاقتصاد العالمي | بقش
في تحرك استراتيجي يكشف عن الوجه الشرس للصراع الجيوسياسي الجديد، لم تعد الولايات المتحدة تكتفي بمراقبة التمدد الصيني في القارة السمراء، بل انتقلت إلى مرحلة الهجوم المباشر للاستحواذ على الموارد، وتوجيهها قسراً لخدمة أجندتها وأجندة حلفائها. ففي أحدث فصول هذه المعركة، دخلت واشنطن بثقلها السياسي والمالي لانتزاع حصة معتبرة من نحاس جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتوجيه شحنات ضخمة منه إلى السعودية والإمارات، في خطوة تتجاوز مفاهيم التجارة الحرة التقليدية لتصل إلى مستوى “الهندسة الجيوسياسية” لتدفقات الثروة العالمية، حيث تلعب واشنطن دور “شرطي المرور” الذي يقرر من يحق له الحصول على المعادن ومن يجب حرمانه منها.
وتشير التفاصيل الواردة، والتي اطلع عليها “بقش” لدى “بلومبيرغ”، إلى أن هذا المخطط يتم تنفيذه عبر شراكة تجارية ظاهرية بين شركة التعدين الحكومية في الكونغو “جيكامين” ومجموعة “ميركوريا” للطاقة، إلا أن المحرك الحقيقي للخيوط خلف الستار هي “مؤسسة تمويل التنمية الدولية” (DFC)، الذراع المالي للحكومة الأمريكية.
وتستهدف هذه العملية شحن 50 ألف طن من كاثود النحاس إلى الحليفين الخليجيين، ليس لسد احتياجاتهما فحسب، بل لربط اقتصادات المنطقة بسلاسل توريد تسيطر عليها واشنطن، وسحب البساط من تحت أقدام الصين التي طالما اعتبرت الكونغو حديقتها الخلفية لاستخراج المواد الخام اللازمة لصناعاتها التكنولوجية والعسكرية.
ويعكس هذا التحرك فلسفة إدارة الرئيس دونالد ترامب التي تخلت عن الدبلوماسية الناعمة لصالح سياسة واقعية فجة، ترى في أفريقيا مجرد منجم ضخم يجب استغلاله لكسر شوكة بكين. فالولايات المتحدة، التي أمنت لنفسها الشهر الماضي 100 ألف طن من النحاس من ذات المصدر، توسع الآن دائرة الاستحواذ لتشمل حلفاءها، في محاولة لخلق تكتل دولي يسيطر على الموارد الحيوية.
وتؤكد هذه التحركات أن واشنطن مستعدة لاستخدام كافة أدواتها، من ضغوط سياسية وإغراءات مالية، لتحويل مسار الثروات الأفريقية بعيداً عن الموانئ الصينية، وضمان أن يصب خير القارة في المصانع والخزائن الأمريكية وحلفائها حصراً.
هندسة النفوذ: كيف تدير واشنطن تدفقات الثروة من الخلف
لا يمكن قراءة الصفقة الجديدة بمعزل عن الدور المتعاظم لـ”مؤسسة تمويل التنمية الدولية” الأمريكية، التي تحولت من وكالة تنموية تقليدية إلى رأس حربة في الحرب الاقتصادية ضد الصين. المؤسسة، وفقاً لتصريحات رئيسها التنفيذي بن بلاك التي تابعها بقش، لا تمول المشاريع عبثاً، بل تتدخل لضمان “توجيه المعادن الحيوية القيمة إلى الولايات المتحدة وحلفائنا”.
هذا التصريح يحمل في طياته اعترافاً صريحاً بأن واشنطن تمارس نوعاً من الوصاية على الموارد الكونغولية، حيث يتم تحديد وجهة النحاس بقرار سياسي من البيت الأبيض قبل أن يكون قراراً تجارياً خاضعاً لقوى العرض والطلب، مما يحول شركة “جيكامين” الكونغولية ومجموعة “ميركوريا” السويسرية إلى مجرد تروس في آلة الاستراتيجية الأمريكية.
وتقوم الاستراتيجية الأمريكية على مبدأ “الاستحواذ الوقائي”، حيث تسعى واشنطن لحجز الكميات المتاحة من النحاس والكوبالت لعقود طويلة قادمة، حتى لو لم تكن بحاجة آنية لها، وذلك بهدف تجفيف المنابع أمام الصناعة الصينية. فإرسال 50 ألف طن إلى السعودية والإمارات، وقبلها 100 ألف طن إلى أمريكا، يعني خصم هذه الكميات من السوق العالمية التي تعتمد عليها الصين بشكل كلي. وهنا تبرز البراغماتية الأمريكية في أقصى تجلياتها، حيث تستخدم واشنطن نفوذها المالي لتقديم ضمانات وقروض لمشاريع قد يراها القطاع الخاص “عالية المخاطر”، لكن الحكومة الأمريكية تراها استثماراً ضرورياً في الأمن القومي، مبررة ذلك بحاجة حلفائها في الشرق الأوسط لهذه المعادن ضمن خططهم للتنويع الاقتصادي.
وفي سياق متصل، ترفض الأطراف التجارية مثل “ميركوريا” التعليق، مما يضفي صبغة من السرية والكتمان غالباً ما تحيط بالصفقات ذات الطابع الاستراتيجي. هذا الصمت يعزز القناعة بأن ما يجري ليس مجرد صفقة بيع وشراء، بل هو جزء من ترتيبات أمنية واقتصادية أوسع. فواشنطن تدرك أن السيطرة على المعادن في القرن الحادي والعشرين توازي أهمية السيطرة على النفط في القرن العشرين، ولذلك فهي تدفع بكل ثقلها لضمان أن تكون يدها هي العليا في مناجم كاتانغا، مستغلة حاجة الحكومة الكونغولية للتمويل والشرعية الدولية لفرض شروطها وتحديد من يشتري ثروات البلاد.
هوس الحصار: استنزاف أفريقيا لقطع الطريق على بكين
يمثل الهوس الأمريكي بـ”الخطر الصيني” الدافع الرئيسي وراء هذه التحركات المحمومة في أدغال أفريقيا. فبكين تسيطر حالياً على حصة الأسد من عمليات استخراج ومعالجة النحاس والكوبالت في الكونغو، وهو واقع بات يؤرق صانع القرار في واشنطن الذي يرى في هذه الهيمنة تهديداً وجودياً لصناعات المستقبل الأمريكية، من السيارات الكهربائية إلى الرقائق الإلكترونية.
ولتدارك ما فاتها، تتبنى إدارة ترامب سياسات تدخلية غير مسبوقة، تشمل ضخ مليارات الدولارات لدعم شركات غربية أو حتى شركات تجارية وسيطة، طالما أن الهدف النهائي هو حرمان الصين من احتكار هذه السلاسل الحيوية، حتى لو تطلب الأمر عسكرة العلاقات التجارية.
وتكشف المعلومات التي طالعها بقش أن إدارة ترامب لا تتورع عن استخدام أساليب غير تقليدية لتقليل الاعتماد على الصين، بما في ذلك التدخل في تحديد الأسعار أو فرض “حد أدنى” لها لحماية استثماراتها، في انتهاك صارخ لمبادئ السوق الحر التي طالما تغنت بها أمريكا. المسؤولون الأمريكيون يتحدثون بصراحة عن “تحويل تدفق الإمدادات بعيداً عن الخصوم الاستراتيجيين”، وهو تعبير دبلوماسي يعني عملياً “سرقة” الحصة السوقية للصين عبر صفقات سياسية مدعومة حكومياً. هذا النهج يحول الكونغو وباقي الدول الأفريقية الغنية بالمعادن إلى ساحة معركة مفتوحة، حيث يتم استنزاف مواردها بوتيرة متسارعة لملء المخزونات الاستراتيجية الأمريكية وحلفائها، دون اكتراث حقيقي بالتنمية المستدامة في تلك الدول.
وتذهب المؤسسة الأمريكية لتمويل التنمية إلى حد المخاطرة بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين في مشاريع توصف بأنها “شديدة الخطورة”، فقط لأن الهدف هو مزاحمة الصين. هذا الاندفاع المحموم يعكس قلقاً عميقاً في واشنطن من أن تفقد هيمنتها التكنولوجية إذا ما استمرت بكين في التحكم في مدخلات الإنتاج. ولذلك، فإن التحرك نحو السعودية والإمارات يهدف أيضاً إلى بناء شبكة تحالفات موازية لطريق الحرير الصيني، حيث تسعى واشنطن لربط القوى الاقتصادية الصاعدة في الشرق الأوسط بالمدار الأمريكي عبر بوابة المعادن، لضمان عدم انزلاق هذه الدول كلياً نحو الشراكة مع الصين.
المقايضة العارية: الأمن مقابل الموارد في حديقة واشنطن الخلفية
تتجلى الانتهازية السياسية في أوضح صورها في طبيعة “المقايضة” التي تعرضها واشنطن على كينشاسا. فالحكومة الكونغولية، التي تعاني من تمرد مسلح في شرق البلاد تتهم رواندا بدعمه، وجدت نفسها مضطرة لفتح أبواب مناجمها للشركات الأمريكية وحلفائها مقابل الحصول على دعم سياسي وأمني من واشنطن.
الولايات المتحدة تستغل ببراعة حاجة الكونغو الماسة للاستقرار الأمني لابتزازها اقتصادياً، فارضة معادلة قاسية: “حمايتكم مرهونة بتسليم مفاتيح مناجمكم لنا”. هذا الاستغلال للأزمات الداخلية للدول الأفريقية يكشف حسب قراءة بقش كيف توظف أمريكا نفوذها الدبلوماسي كأداة ضغط لتأمين مصالح شركاتها واستراتيجياتها.
وفي هذا السياق، لم يكن اختيار السعودية والإمارات كوجهة لهذه الشحنات عشوائياً، بل هو جزء من إعادة هندسة التحالفات الإقليمية. فمن خلال دمج هذين الحليفين الرئيسيين في سلسلة توريد النحاس المدعومة أمريكياً، تضرب واشنطن عصفورين بحجر واحد: تأمين إمدادات لحلفائها لتعزيز صناعاتهم، وفي الوقت نفسه تعميق اعتمادهم على المظلة الأمريكية في تأمين الموارد الحيوية، مما يقلل من جاذبية العروض الصينية المنافسة في المنطقة. إنها لعبة مصالح معقدة يتم فيها استخدام ثروات الشعب الكونغولي كعملة تفاوض لتعزيز نفوذ واشنطن في الشرق الأوسط وأفريقيا معاً.
وتسعى إدارة ترامب من خلال هذه التحركات إلى إيصال رسالة واضحة للمستثمرين العالميين وللدول الأفريقية على حد سواء: الولايات المتحدة عادت إلى اللعبة، وهي مستعدة للذهاب إلى أبعد مدى، وتجاوز كل الخطوط الحمراء الاقتصادية، لتأمين مصالحها.
الدعم الأمريكي لمشروعات التعدين والبنية التحتية (مثل ممر لوبيتو) ليس مبادرة خيرية، بل هو استثمار في البنية التحتية اللازمة لنهب الثروات بشكل أسرع وأكثر كفاءة، وضمان تدفقها غرباً نحو المحيط الأطلسي أو إلى حلفاء واشنطن، بدلاً من تدفقها شرقاً نحو المحيط الهندي والصين.


