الاقتصاد اليمني
أخر الأخبار

استراتيجية القرار الواحد.. السعودية تحكم السيطرة في اليمن والإمارات تنسحب من الرياض

الاقتصاد اليمني | بقش

تستخدم السعودية رصيدها من النفوذ السياسي الاستراتيجي وتضخ مليارات الدولارات في محاولة لإحكام السيطرة على اليمن بعد إخراج الإمارات منه في ديسمبر 2025، في إشارة تدل على أن الرياض تعيد ترسيخ مكانتها الإقليمية بعدما ظلت لسنوات تعطي الأولوية لأجندتها الداخلية وفقاً لما نشرته وكالة رويترز.

وحسب اطلاع بقش على تقرير الوكالة، فإن الرؤية السعودية الجديدة تعتمد على ضخ استثمارات مالية ضخمة كأداة للسيطرة وتوحيد فصائل مسلحة وقبائل منقسمة، في الوقت الذي تسعى فيه لإعادة بناء دولة منهارة بضخ أموال طائلة، رغم أن المملكة نفسها تعاني من أزمة مالية داخلية.

وقد خصصت الرياض ميزانية ضخمة تهدف إلى تمويل الرواتب (تخصيص 3 مليارات دولار على الأقل لهذا العام لتغطية رواتب القوات المسلحة اليمنية وموظفي القطاع العام)، واستيعاب القوات التابعة للإمارات، إذ يتضمن المبلغ المخصص نحو مليار دولار لتمويل المقاتلين الجنوبيين الذين كانت أبوظبي تتكفل برواتبهم سابقاً، في خطوة تهدف لنقل ولاء هذه القوات لحكومة عدن تحت إشراف سعودي.

وقال وزير الإعلام معمر الإرياني لرويترز إن السعودية “تعاونت وأبدت استعدادها لدفع جميع الرواتب بالكامل”، دون الإفصاح عن المبلغ الإجمالي، وبحيث تكون كافة القوات تابعة للحكومة وتحت إدارة وإشراف التحالف. واعتبر أن الدعم السعودي سيمكّن اليمن من إعادة تنظيم الفصائل المسلحة وإخضاعها لسلطة الدولة.

ويشير تقرير رويترز إلى أن السعودية لا تهدف من دفع هذه المبالغ إلى مجرد الإغاثة الإنسانية، بل تسعى لتحقيق مكاسب استراتيجية محددة، منها خيار “الجزرة” للانفصاليين، فلأول مرة تلوح الرياض بحوافز سياسية للمكونات الانفصالية، ملمّحةً إلى أن طموح “إقامة الدولة” قد يصبح واقعاً، ولكن بشرط أساسي وهو الحسم الكامل للصراع مع الحوثيين أولاً.

وتسعى السعودية لتحويل مناطق حكومة عدن إلى ورقة ضغط تجبر حكومة صنعاء على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، إضافةً إلى تعزيز قدرات الجيش الحكومي ليكون مستعداً لأي مواجهة عسكرية.

دوافع اقتصادية وأمنية للسعودية

رغم التحديات المالية الداخلية التي تواجهها المملكة نتيجة انخفاض أسعار النفط وتباطؤ بعض المشاريع الكبرى، إلا أن “أمن الجوار” يظل الأولوية القصوى لعدة أسباب أبرزها حماية السياحة والاستثمار، وتجنب الهجمات على الطاقة، حيث ما تزال ذكرى هجمات 2022 على البنية التحتية السعودية للطاقة حاضرة.

كما يعكس التحرك في اليمن، بالتوازي مع أدوار نشطة في سوريا والسودان، رغبةً سعودية في ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة تدير أزمات المنطقة بشكل مباشر.

في المقابل، أكد مسؤول إماراتي لرويترز أن الإمارات لم تعد ضالعة في الملف اليمني بأي صورة، مشيراً إلى أن أبوظبي قدمت موارد كبيرة على مدار عقد كامل لتحسين الأوضاع، لكنها الآن تترك الساحة تماماً للإدارة السعودية. ويُنهي هذا الانسحاب سنوات من “التنافس الصامت” بين الحليفين في الساحة اليمنية، ويضع السعودية في مواجهة مباشرة مع تعقيدات الداخل اليمني.

انسحاب الإمارات من معرض دفاعي سعودي

في تقرير منفصل، أشارت رويترز إلى انسحاب شركات إماراتية من “معرض الدفاع العالمي” في الرياض، في إشارة سياسية صارخة على وصول الخلافات خلف الكواليس إلى مرحلة حرجة تؤثر مباشرةً على المصالح الاقتصادية الكبرى.

ووفق قراءة بقش، فقد انسحبت بعض الشركات الإماراتية الكبرى من معرض الدفاع العالمي المقرر إقامته في الرياض خلال الفترة (8-12 فبراير 2026). ويُعد هذا المعرض منصة استراتيجية للسعودية لاستعراض قوتها الطموحة في توطين الصناعات العسكرية ضمن رؤية 2030، إلا أن انسحاب الشريك التاريخي، الإمارات، يضع علامات استفهام حول مستقبل التكامل الدفاعي الخليجي.

وقد تمدد الخلاف بين الدولتين في اليمن من السياسة إلى الاقتصاد، وصولاً إلى سيناريو يطرحه بعض المحللين وهو سيناريو المقاطعة المحتمل، إذ ينتقل القلق الآن من الميادين العسكرية إلى ردهات الشركات والمصارف، وسط مخاوف من تكرار أزمة قطر 2017.

وترتبط الدولتان بتبادل تجاري ضخم يصل إلى 30 مليار دولار حسب اطلاع بقش على البيانات، ما يعني أن أي اضطراب في العلاقات يُنذر بخسائر فادحة للطرفين.

وقد بدأ قادة الأعمال في دبي والرياض والمنطقة الشرقية بإعادة تقييم المخاطر، وهناك مخاوف من فرض قيود على تدفق رؤوس الأموال، أو فرض اشتراطات على البنوك للاختيار بين العمل في الرياض أو أبوظبي.

وبدأت الشركات الكبرى، وخاصة المجموعات العائلية السعودية التي تتخذ من دبي مقراً لعملياتها الدولية، في وضع خطط طوارئ لاحتمالية حدوث اضطرابات في رحلات الطيران أو تعقيدات في سلاسل الإمداد عبر الحدود البرية.

ويأتي هذا الخلاف في وقت تتنافس فيه الدولتان لجذب الاستثمارات الأجنبية، إذ تحاول السعودية عبر “برنامج المقر الإقليمي” جذب الشركات العالمية إلى الرياض، بينما تدافع دبي عن مكانتها كعاصمة مالية وتجارية للمنطقة.

وطويلاً افتخرت المراكز المالية في الخليج بالاستقرار السياسي، لكن الخلاف الحالي يهدد هذه الصورة، حيث يخشى المستثمرون من أن تصبح القرارات الاقتصادية رهينة للتقلبات السياسية المفاجئة.

ولعل التشابك العضوي بين الاقتصادين السعودي والإماراتي يجعل من الصعب جداً فك الارتباط دون حدوث أضرار جسيمة، ويرى اقتصاديون ورجال أعمال أن الجميع معرّضون للخسارة إذا تفاقم الوضع والخلاف بين الخليجيتين، مما يضع استقرار “البيت الخليجي” أمام أصعب مراحله منذ عقود.

زر الذهاب إلى الأعلى