تقارير
أخر الأخبار

حرب غزة ترتد مالياً على تل أبيب: تعويضات متأخرة، مليارات مهدورة، واقتصاد يدفع ثمن الإبادة

تقارير | بقش

لم تعد حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة حدثاً عسكرياً معزولاً عن الداخل الإسرائيلي، بل تحولت تدريجياً إلى عبء اقتصادي ثقيل يضغط على مؤسسات الدولة، ويكشف هشاشة منظومات الطوارئ المالية التي طالما جرى الترويج لها باعتبارها «جاهزة لكل السيناريوهات». فمع إطالة أمد الحرب، بدأت التكاليف تتسرب من الجبهات إلى قلب الاقتصاد.

تقرير رسمي شديد اللهجة اطلع عليه “بقش”، صدر عن مراقب الدولة المالي الإسرائيلي، يضع هذه المرة مصلحة الضرائب الإسرائيلية وصندوق تعويضات زمن الحرب في مرمى الاتهام، كاشفاً عن اختلالات عميقة في إدارة التعويضات، وتأخيرات قاتلة للشركات، وهدر مالي بمليارات الشواكل، في وقت يُفترض أن تكون فيه الدولة في أعلى درجات الجاهزية.

التقرير لا يقدّم صورة تقنية بيروقراطية فحسب، بل يفضح أحد الأوجه الأقل تداولاً من كلفة الحرب على غزة: الإنهاك المالي الداخلي، حيث تتحول أدوات الدعم الاقتصادي إلى عبء إضافي، وتصبح الطوارئ بيئة خصبة للفوضى المالية وسوء الإدارة.

الأخطر أن هذه المعطيات لا تعود إلى مرحلة ما بعد الحرب، بل إلى قلبها، ما يعني أن تل أبيب ما تزال في بدايات تحمّل الفاتورة الاقتصادية، وأن ما كُشف حتى الآن لا يمثل سوى جزء من كلفة مرشحة للتضخم مع استمرار العدوان.

يكشف تقرير مراقب الدولة أن الشركات المتضررة من الحرب واجهت تأخيراً زمنياً يصل إلى 92 يوماً قبل أن يُسمح لها حتى بتقديم طلبات التعويض عن الأضرار غير المباشرة. هذا التأخير، في سياق حرب شاملة، لا يُعد تفصيلاً إدارياً، بل عاملاً حاسماً في دفع الشركات نحو التعثر أو الإغلاق.

وحسب قراءة بقش، لا يقف الخلل عند مرحلة تقديم الطلبات، إذ يشير التقرير إلى أن متوسط زمن البت في الطعون المقدمة إلى لجان صندوق التعويضات بلغ 851 يوماً، أي أكثر من عامين، وهو رقم يعكس شللاً مؤسسياً كاملاً في آلية يُفترض أنها صُممت للاستجابة السريعة في حالات الطوارئ.

هذا الواقع حوّل التعويضات من أداة إنقاذ اقتصادي إلى إجراء متأخر بلا أثر فعلي، إذ تصل الأموال – إن وصلت – بعد أن تكون الشركات قد استنزفت احتياطياتها، أو فقدت قدرتها على الاستمرار، أو خرجت نهائياً من السوق.

ويخلص التقرير إلى أن هذه التأخيرات عمّقت الضرر الاقتصادي، وعرقلت التعافي، وكشفت أن الاقتصاد الإسرائيلي لم يكن مهيأً لإدارة حرب طويلة الأمد ذات كلفة مركبة، بل لسيناريوهات قصيرة ومحدودة النطاق.

صندوق تعويضات ينزف… وهدر بلا رقابة

الأرقام الواردة في التقرير تكشف صورة أكثر خطورة. فوفق اطلاع بقش دخل صندوق التعويضات الحرب وهو يمتلك رصيداً يبلغ 17.7 مليار شيكل، لكنه سرعان ما استُنزف، لينتهي عام 2024 بعجز قدره 1.1 مليار شيكل، بعد دفع تعويضات تجاوزت 18.8 مليار شيكل خلال فترة قصيرة.

حجم المطالبات يعكس عمق الصدمة الاقتصادية التي أحدثتها الحرب. فمنذ بدايتها، قُدّمت 59 ألف مطالبة تعويض، وهو رقم يفوق مجموع المطالبات المقدمة خلال 18 عاماً سابقة منذ حرب لبنان الثانية. أما مطالبات الأضرار غير المباشرة، فقد تجاوزت 525 ألف مطالبة، في سابقة غير معهودة.

الأكثر خطورة أن التقرير يكشف عن دفع أكثر من 3 مليارات شيكل لشركات غير مستحقة لتعويضات، منها 1.5 مليار شيكل خلال الحرب الحالية وحدها، دون أن تتمكن الدولة من استرداد نحو 1.9 مليار شيكل حتى لحظة اكتمال التدقيق.

هذا الهدر لا يعكس فقط سوء إدارة، بل يشير إلى فقدان السيطرة المالية في زمن الحرب، حيث تتآكل الرقابة، وتُتخذ قرارات مرتجلة، وتضيع الموارد في وقت تحتاج فيه الدولة لكل أداة تمويل لتغطية التزاماتها المتزايدة.

الحرب تكشف هشاشة المنظومة الاقتصادية من الداخل

يتطرق التقرير أيضاً إلى ضعف منظومة التأمين، حيث يظهر أن الإقبال على التأمين ضد الأضرار المباشرة كان شبه معدوم عشية الحرب، إذ لم يشترِ هذا التأمين سوى 31 شخصاً فقط. وحتى بعد اندلاع الحرب وحملات الترويج، لم يتجاوز عدد المؤمنين 3090 مواطناً.

هذا الرقم يطرح تساؤلات جدية حول ثقة الجمهور في أدوات الحماية التي توفرها الدولة، ويعكس فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي حول «الاستعداد للطوارئ» والواقع الفعلي على الأرض.

كما يكشف التقرير عن فجوة مالية تراكمية بلغت 2.8 مليار شيكل، نتيجة سوء استثمار أموال صندوق التعويضات مقارنة بما كان يمكن تحقيقه لو أُديرت هذه الأموال وفق أسعار الفائدة الأساسية في بنك إسرائيل، ما يعني خسارة موارد إضافية في توقيت بالغ الحساسية.

وفوق ذلك، يقر التقرير بغياب أي آلية واضحة لتجميع ميزانيات إعادة الإعمار، خصوصاً في المناطق الشمالية، ما يشير إلى أن الدولة تخوض حرباً واسعة دون خطة مالية متماسكة لليوم التالي.

كلفة الإبادة تتسلل إلى الداخل الإسرائيلي

ما يكشفه تقرير مراقب الدولة يتجاوز كونه نقداً إدارياً، ليشكّل إشارة إنذار مبكرة حول الكلفة الاقتصادية المتراكمة لحرب الإبادة في غزة، والتي بدأت ترتد بوضوح على الداخل الإسرائيلي، وعلى الشركات، وصناديق الطوارئ، والاستقرار المالي.

وفي قراءة بقش، لا تواجه تل أبيب عزلة سياسية وضغوطاً دولية متزايدة فحسب، بل بدأت تدفع ثمناً داخلياً يتمثل في عجز الصناديق، وتآكل الثقة بالمؤسسات، وتباطؤ قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، وهي تبعات مرشحة للتفاقم مع استمرار الحرب.

في المحصلة، تكشف هذه الأرقام أن الحرب على غزة لم تكن «خارجية الكلفة» كما جرى تسويقها، بل تحولت إلى عبء اقتصادي ثقيل، سيظل يضغط على المالية العامة والشركات الإسرائيلية لسنوات مقبلة، حتى بعد توقف القتال، ويعيد طرح سؤال جوهري: من يدفع ثمن الإبادة؟.

زر الذهاب إلى الأعلى