الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

دراسة: 90% من الأمريكيين ضحايا رسوم ترامب الجمركية

الاقتصاد العالمي | بقش

وفق دراسة حديثة أعدّها اقتصاديون في بنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك، لم يقع العبء الأكبر من الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على عاتق المصدّرين الأجانب كما رُوِّج سياسياً، بل تحمّلته الشركات والمستهلكون الأمريكيون بنسبة قاربت 90%، في واحدة من أوضح القراءات الكمية لتداعيات سياسة الحماية التجارية خلال العام الماضي.

وبالاستناد إلى بيانات تجارية شهرية حتى نوفمبر 2025، خلصت الدراسة التي اطلع مرصد “بقش” على نتائجها، إلى أن نحو 94% من تكاليف الرسوم خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام جرى تمريرها مباشرة إلى الشركات والمستهلكين داخل الولايات المتحدة، أي إن الزيادة في الرسوم انعكست سريعاً على أسعار الاستيراد، ومن ثم على أسعار البيع في السوق المحلية، مع هامش امتصاص محدود من قبل المورّدين الأجانب.

وبحلول نوفمبر 2025، بدأت تظهر مؤشرات طفيفة على تحمّل المصدّرين جزءاً أكبر من العبء، إذ ارتبط فرض تعرفة بنسبة 10% بانخفاض قدره 1.4% في أسعار التصدير الأجنبية.

غير أن هذا التراجع ظل محدوداً، ما يعني أن نسبة تمرير الكلفة بقيت عند مستوى مرتفع بلغ 86%، وبعبارة أخرى فإن تعرفة بـ10% لم تخفّض أسعار الصادرات الأجنبية سوى بنحو 0.6 نقطة مئوية فعلياً، وهو ما يؤكد ضعف قدرة الرسوم على إجبار المنتجين الخارجيين على خفض أسعارهم بشكل جوهري.

قفزة حادة في متوسط الرسوم

النقطة المفصلية جاءت بعد تاريخ 02 أبريل 2025، وهو اليوم الذي أطلق عليه ترامب “يوم التحرير” وأعلن فيه حزمة واسعة من الرسوم الجديدة، فخلال فترة وجيزة قفز متوسط معدل الرسوم الجمركية الأمريكية من 2.6% إلى 13%، مدفوعاً خصوصاً بزيادات حادة ومؤقتة على السلع الصينية في شهري أبريل ومايو.

هذا الارتفاع الحاد أعاد المعدلات الفعلية إلى مستويات لم تشهدها الولايات المتحدة منذ عقود، مع تأثير مباشر على تكاليف الاستيراد وسلاسل الإمداد.

ورغم أن بعض الإعفاءات والتحولات في أنماط الاستيراد ساهمت في تخفيف الرسوم الفعلية المدفوعة، فإن الدراسة تشير إلى أن الكلفة الاقتصادية بقيت متركزة داخل الاقتصاد الأمريكي، وفي المقابل سرّعت الرسوم عملية إعادة توجيه سلاسل الإمداد بعيداً عن الصين، نحو شركاء تجاريين آخرين مثل المكسيك وفيتنام.

وحسب النتائج فإن هذا التحول لا يعني بالضرورة تراجعاً في إجمالي الاعتماد على الواردات، بل إعادة توزيع جغرافي لمصادرها، وهو ما يعكس قدرة الشركات الأمريكية على التكيّف مع القيود الجمركية عبر البحث عن بدائل أقل كلفة نسبياً، وإن كانت تلك البدائل لا تلغي بالكامل أثر الرسوم على الأسعار النهائية.

منهجية القياس: مقارنة سنوية دقيقة

اعتمد الباحثون منهجية إحصائية مشابهة لتلك التي استخدموها في تقييم رسوم عامي 2018 و2019، عبر مقارنة التغيرات السنوية في أسعار الصادرات الأجنبية بالتغيرات السنوية في معدلات الرسوم الجمركية، مع ضبط الاتجاهات العامة على مستوى المنتجات والأسعار العالمية.

وسمح هذا الأسلوب بعزل الأثر المباشر للرسوم عن بقية العوامل، مثل تقلبات الطلب العالمي أو تغيرات تكاليف الإنتاج.

وتُظهر النتائج أن التأثير الصافي للرسوم كان واضحاً: ارتفاع في أسعار الواردات داخل الولايات المتحدة، مع قدرة محدودة على نقل العبء إلى الخارج.

وتشير هذه النتائج إلى مفارقة جوهرية في سياسات الحماية التجارية، فبينما تهدف الرسوم إلى الضغط على الشركاء التجاريين وتقليص العجز التجاري، فإن الجزء الأكبر من العبء قد يعود في النهاية إلى الداخل عبر ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية.

كما تثير الدراسة تساؤلات حول الأثر التضخمي للرسوم، خاصة في ظل قفزة متوسط المعدلات إلى 13% بعد أبريل وفق قراءة بقش، وما إذا كانت تلك السياسة قد ساهمت في تغذية ضغوط الأسعار خلال 2025، ولو بشكل غير مباشر.

الدراسة كشفت حقيقة واحدة، هي أن الرسوم الجمركية، رغم قدرتها على إعادة تشكيل سلاسل الإمداد وتسريع تنويع مصادر الاستيراد، لم تُحوّل العبء المالي إلى الخارج بالقدر الذي توحي به الخطابات السياسية، بل بقيت كلفتها الرئيسية داخل الاقتصاد الأمريكي، تتحملها الشركات عبر هوامش أرباح أقل، والمستهلكون عبر أسعار أعلى.

زر الذهاب إلى الأعلى