اتفاق “ميركوسور”.. بوابة أوروبا نحو أمريكا الجنوبية بعيداً عن “حمائية ترامب”

الاقتصاد العالمي | بقش
بعد مفاوضات امتدت لنحو 25 عاماً، يوقّع الاتحاد الأوروبي وتكتل “ميركوسور” الأمريكي الجنوبي، اتفاقية تجارة حرة تاريخية تضم البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي، وذلك يوم 17 يناير الجاري بالعاصمة الباراغوانية أسونسيون، لتشكّل الاتفاقية واحدة من أوسع مناطق التجارة الحرة في العالم، وقادرة على منافسة تكتلات كبرى مثل اتفاق أمريكا الشمالية (USMCA).
الصفقة تهدف وفق تتبُّع “بقش” إلى تعويض الرسوم الجمركية الأمريكية، وتقليل الاعتماد على الصين، ومن شأن إنشاء واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم أن يعزز التبادل التجاري بين دول الاتحاد الأوروبي (27 دولة) ودول ميركوسور الأربع.
ولا يقتصر الاتفاق على فتح الأسواق، بل يمثل مكسباً جيوسياسياً بالغ الأهمية للاتحاد الأوروبي في منطقة تشهد تنافساً محتدماً بين الولايات المتحدة والصين، ويمنح بروكسل موطئ قدم أقوى في أمريكا الجنوبية، الغنية بالموارد الطبيعية والاستراتيجية.
رسالة استقلال عن واشنطن وبكين
جاء الاتفاق في توقيت حساس، مع تصاعد التوتر بين الاتحاد الأوروبي وكل من الولايات المتحدة والصين.
فعودة دونالد ترامب إلى السلطة في يناير 2025 أعادت النهج “الحمائي” إلى الواجهة، بينما كشفت سياسات بكين بشأن المعادن الأرضية النادرة عن نقاط ضعف أوروبية.
وفي هذا السياق، يُعد اتفاق “ميركوسور” خطوة نحو تقليص الاعتماد الأوروبي على الولايات المتحدة وتنويع الشركاء التجاريين.
وقد واجه الاتفاق عقبات كبيرة، أبرزها اعتراضات دول أوروبية زراعية مثل فرنسا وإيطاليا، بسبب المخاوف البيئية ومعايير الغذاء.
وتأخر التوقيع بعدما فشل الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا في حسم هذه الخلافات في ديسمبر الماضي، وسط معركة تجارية محتدمة مع ترامب الذي فرض رسوماً جمركية بنسبة 50% على السلع البرازيلية.
في النهاية، أسهمت إجراءات حماية المزارعين الأوروبيين في كسب دعم رئيسة وزراء إيطاليا جورجا ميلوني، ما أضعف قدرة باريس على تعطيل الاتفاق.
إزالة الرسوم وفتح الأسواق بين الجانبين
ينص الاتفاق على الإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية على مجموعة واسعة من السلع الزراعية القادمة من أمريكا الجنوبية، مقابل تسهيل وصول المنتجات الأوروبية، بما فيها السيارات والآلات، إلى أسواق “ميركوسور”، بما يعزز التصنيع في دول التكتل.
وتشير التقديرات التي طالعها بقش إلى أن الاتفاق قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي لدول “ميركوسور” بنحو 0.7% بحلول عام 2040، مقابل 0.1% للاتحاد الأوروبي.
ورغم تواضع هذه الأرقام، فإن القيمة الحقيقية للاتفاق تكمن في آثاره طويلة المدى على سلاسل التوريد والشراكات الاستراتيجية.
وتمتلك البرازيل والأرجنتين احتياطيات ضخمة من الليثيوم والمنغنيز، وهما عنصران أساسيان لخطط أوروبا في التحول الرقمي والبيئي، كما تبرز بوليفيا، الغنية بالليثيوم، والتي تستعد للانضمام إلى “ميركوسور”، في وقت أعلنت فيه نيتها مراجعة عقود الاستكشاف مع الصين وروسيا، ما يفتح آفاقاً واسعة أمام الاستثمارات الأوروبية في المعادن الأرضية النادرة.
ولا تقتصر تداعيات الاتفاق على القطاع الزراعي الذي أثار احتجاجات واسعة، بل تمتد إلى قطاعات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا، ما يعكس تفاوت المصالح داخل دول الاتحاد الأوروبي بشأن الاتفاق.
بالمقابل، يمنح الاتفاق تكتل “ميركوسور” فرصة لتعزيز مصداقيته الدولية، والانطلاق نحو صفقات تجارية جديدة أو موسعة مع دول مثل اليابان والإمارات والهند وإندونيسيا، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأمريكية في المنطقة.
وعلى الصعيد السياسي، يمثل الاتفاق إنجازاً مهماً للرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، في ظل سعيه لترسيخ إرثه الإقليمي وخوض معركة إعادة انتخاب، خاصة بعد الضربات الأمريكية على فنزويلا التي أضعفت موقعه سياسياً على الساحة الإقليمية.
في المحصلة، يعكس اتفاق الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور تحوّلاً استراتيجياً في توجهات أوروبا نحو تنويع شراكاتها، وتعزيز استقلالها الاقتصادي، وتقليص اعتمادها على الولايات المتحدة، في عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب وإعادة تشكيل خرائط النفوذ التجاري والسياسي.


