تقارير
أخر الأخبار

قطع التمويل الفيدرالي عنها حتى يتم وضع اسمه عليها.. ترامب يساوم بورقة البنية التحتية لأول مرة في تاريخ أمريكا

منوعات | بقش

يربط ترامب بشكل غير مسبوق بين الطموح الشخصي والقرار العام، فقد أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر أدواته إثارة للجدل، وهي المقايضة السياسية الصريحة.

يحاول الآن ربط الإفراج عن مليارات الدولارات من التمويل الفيدرالي بإعادة تسمية منشآت نقل سيادية تحمل أسماءً تاريخية. وهذا الملف وفق اطلاع “بقش” يفتح نقاشاً محتدماً حول حدود السلطة التنفيذية، وأخلاقيات استخدام المال العام، ومكانة الأعراف السياسية التي حكمت تسمية المرافق الكبرى لعقود طويلة.

وفي قلب الأزمة يقف مشروع نفق السكك الحديدية المعروف باسم “غيتواي”، وهو أحد أضخم مشاريع البنية التحتية في شمال شرق الولايات المتحدة. هذا المشروع يهدف إلى إنشاء نفق جديد يربط بين نيويورك ونيوجرسي، ويُعد شرياناً حيوياً لحركة قطارات “أمتراك” وقطارات الضواحي التي تخدم ملايين الركاب يومياً.

وفقاً لما تسرّب من أروقة واشنطن خلال يناير الماضي، جرى تداول مقترح غير رسمي يقضي بالإفراج عن تمويل فيدرالي مجمّد يتجاوز 16 مليار دولار، مقابل دعم سياسي لإعادة تسمية محطة “بن ستايشن” في نيويورك، ومطار واشنطن دالاس الدولي، ليحملا اسم “دونالد ترامب”.

لكن هذه الفكرة اصطدمت سريعاً برفض سياسي وقانوني، خاصة من جانب الديمقراطيين، الذين أكدوا أن الرئيس لا يملك الصلاحية القانونية لإعادة تسمية منشآت فيدرالية كبرى عبر صفقات أو تفاهمات خلف الكواليس.

ردود الفعل داخل الحزب الديمقراطي جاءت حادة، إذ وُصفت الخطوة بأنها محاولة لاحتجاز بنية تحتية أساسية رهينة نزعة شخصية تسعى إلى تخليد الاسم لا إلى خدمة المصلحة العامة، ورأت شخصيات سياسية بارزة أن استخدام التمويل الفيدرالي بهذه الطريقة يُشكّل سابقة خطيرة، تُحوّل المال العام إلى أداة ضغط رمزية.

توسعت دائرة الغضب لتشمل اتهامات مباشرة للإدارة بمحاولة فرض “علامة ترامب” على مرافق سيادية تمثل ذاكرة حضرية ووطنية لملايين الأمريكيين، في مقابل الإفراج عن أموال خُصصت أصلاً لخدمة المواطنين، لا لتعزيز إرث شخصي.

المسار القضائي.. صراع الوقت والمليارات

مع استمرار تجميد التمويل، لجأت ولايتا نيويورك ونيوجرسي إلى القضاء للطعن في القرار، في خطوة تعكس حجم القلق من تداعيات التوقف المالي.

فالمشروع وصل إلى مراحل حساسة، وأي تأخير إضافي قد يؤدي إلى انهيار الجدول الزمني بالكامل. القاضية الفيدرالية جانيت فارغاس تدرس إصدار أمر تقييدي مؤقت لإعادة تدفق الأموال، وسط تحذيرات من أن استمرار التجميد قد يفضي إلى أضرار لا يمكن إصلاحها.

وقد شدد نائب المدعي العام لولاية نيوجرسي على أن مواقع العمل لا يمكن ببساطة إيقافها أو تركها دون تأمين، مشيراً إلى وجود حفريات ضخمة ومواقع مفتوحة قد تتحول إلى عبء هندسي ومالي خطير.

وتاريخياً، درجت الولايات المتحدة على إطلاق أسماء الرؤساء على منشآت كبرى بعد مغادرتهم المنصب، أو في سياق تكريمي منفصل عن القرارات التنفيذية والمالية. لكن ما يُنسب إلى ترامب يُعد محاولة لكسر هذا العرف، عبر ربط التسمية المباشرة بقرارات تمويلية آنية.

هذا السلوك، في نظر محللين أمريكيين، لا يمس فقط الأعراف، بل يضعف فكرة الفصل بين السلطة والرمزية، ويُدخل الإرث الشخصي في صلب عملية صنع القرار العام.

وسبق وحاولت إدارة ترامب استخدام التمويل الفيدرالي كأداة ضغط، ففي ولايته الأولى، هدد بقطع مِنح عن مدن تُعرف بـ”مدن الملاذ” بسبب خلافات حول سياسات الهجرة، كما لوّح بتقييد مساعدات فيدرالية مرتبطة بالكوارث الطبيعية، من بينها حرائق كاليفورنيا، في سياق نزاعات سياسية مع السلطات المحلية.

وفي يناير الماضي عاد هذا النهج إلى الواجهة مع تصريحات عن إنهاء المدفوعات الفيدرالية للمدن المصنفة “ملاذاً”، رغم وجود أحكام قضائية سابقة منعت مثل هذه الإجراءات.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، انهالت الانتقادات التي وصفت الفكرة بأنها مقايضة فجّة بين كرامة المدن والمصلحة العامة من جهة، والطموح الشخصي من جهة أخرى. واعتبر مشرّعون أن الاستجابة لمثل هذه المطالب لن تضع حداً للضغوط، بل ستفتح الباب أمام مطالب متكررة، يتحول معها التمويل العام إلى فدية سياسية.

القضية تتجاوز شخص ترامب، وتطرح سؤالاً أعمق حول مستقبل العلاقة بين السلطة التنفيذية والبنية التحتية، وحول ما إذا كانت المشاريع الحيوية ستبقى محمية بمنطق المصلحة العامة، أم ستغدو أوراقاً في معارك النفوذ والرمزية.

زر الذهاب إلى الأعلى