الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

انقلاب السحر على الساحر.. الحمائية الجمركية تضرب الصناعة الأمريكية

الاقتصاد العالمي | بقش

دخلت الإدارة الأمريكية الحالية مرحلة مفصلية من الصراع الاقتصادي العالمي، حيث استندت استراتيجية “يوم التحرير” التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فرضية أن الرسوم الجمركية المرتفعة ستعمل كدرع واقٍ للصناعة الوطنية ومحفز لإعادة التوطين.

ومع ذلك، تكشف القراءات التحليلية المعمقة للبيانات الفيدرالية والمؤشرات الاقتصادية مطلع عام 2026 عن مشهد مغاير، حيث تحولت هذه الرسوم وفق اطلاع مرصد “بقش” من “أداة حماية” إلى “عبء تشغيلي” أدى إلى اختناق سلاسل التوريد وتراجع القوى العاملة الصناعية إلى مستويات تاريخية مقلقة.

انحسار الوظائف وتلاشي الطفرة الإنشائية

رغم الوعود السياسية بجعل الصناعة الأمريكية “عظيمة مرة أخرى”، تشير الأرقام الصادرة عن “وول ستريت جورنال” إلى نزيف مستمر في سوق العمل الصناعي، فمنذ عام 2023، فقد القطاع أكثر من 200 ألف وظيفة، ولم تتوقف وتيرة التسريح حتى بعد مرور ثمانية أشهر على تطبيق السياسات الجمركية المشددة.

وتَرافق هذا الانكماش في القوى العاملة مع تراجع ملحوظ في الاستثمار الرأسمالي؛ فبعد أن شهد عهد بايدن طفرة في بناء المصانع بفضل دعم قطاع الرقائق والطاقة النظيفة، سجل الإنفاق الإنشائي في القطاع الصناعي انخفاضاً متتالياً طوال الأشهر التسعة الأولى من ولاية ترامب، مما يوحي بأن حالة “عدم اليقين” قد كبحت جماح التوسع الإنتاجي.


يكمن التحدي الأكبر الذي يواجه المصنعين المحليين في “تضخم المدخلات”، فالرسوم التي استهدفت حماية المنتجين الوطنيين للمعادن، أدت بالضرورة إلى رفع تكاليف المواد الأولية مثل الصلب والألمنيوم.

هذا الارتفاع أحدث أثراً تسلسلياً في “سلسلة القيمة”، حيث طال الضرر 11 قطاعاً حيوياً، تصدرتها المعادن الأساسية والإلكترونيات ومعدات النقل، وبدلاً من أن تصبح الشركات الأمريكية أكثر قدرة على المنافسة، وجدت نفسها مضطرة لرفع أسعارها النهائية أو تقليص هوامش أرباحها لاستيعاب تكاليف الاستيراد الباهظة، مما جعل المنتجات الأمريكية أقل جاذبية في الأسواق الدولية والمحلية على حد سواء.

ورَصَد “معهد إدارة التوريد” (ISM) أول ارتفاع في نشاط التصنيع في يناير بعد انكماش دام 26 شهراً، لكن المحللين ينظرون إلى هذا الصعود بعين الحذر.

فالتحسن الطفيف في مؤشر الطلبات الجديدة لا يعبر بالضرورة عن استعادة العافية بقدر ما يعكس رغبة الشركات في “التحوط”، أي شراء كميات كبيرة من المواد قبل تطبيق زيادات جمركية إضافية متوقعة، كما أن تراكم المخزونات، الذي دفع مؤشر مديري المشتريات (PMI) للصعود، يعد مؤشراً سلبياً في جوهره إذا لم يرافقه طلب استهلاكي حقيقي، حيث يعكس بقاء السلع في المستودعات دون تصريف.

التداعيات الجيوسياسية وفقدان الأسواق الخارجية

لم تقتصر آثار الرسوم الجمركية على الداخل الأمريكي، بل امتدت لتضرب الصادرات التي تراجعت لسبعة أشهر متتالية.

فالسياسة المتقطعة والتهديدات المستمرة بفرض رسوم على الحلفاء في أوروبا وكندا وكوريا الجنوبية خلقت حالة من الشلل في التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، وحسب تعليقات قادة القطاعات التي تتبَّعها “بقش”، فإن الشركات الصغيرة والمتوسطة هي الأكثر تضرراً، حيث باتت تعجز عن الالتزام بعقود تتجاوز مدتها 30 يوماً نتيجة تذبذب السياسات التجارية.

في هذه الأثناء، استغلت دول مثل الصين الوضع عبر زيادة وتيرة التصدير بأسعار تنافسية في الأسواق العالمية، مستفيدة من الفجوة التي خلفها المصنع الأمريكي المثقل بالضرائب.

ويمكن توصيف العام الحالي بأنه “عام ضائع للاستثمار” في القطاع الصناعي الأمريكي، فبين انتظار أحكام المحكمة العليا بشأن شرعية ضرائب الاستيراد، وبين مواجهة تداعيات الإغلاق الحكومي وعدم اليقين العالمي، يجد الصناع أنفسهم في بيئة معادية للنمو.

الرهان على أن الرسوم الجمركية ستعزز الصناعة يبدو حتى الآن رهاناً خاسراً من الناحية الرقمية، حيث تسببت في رفع التكاليف وانكماش الأرباح وهروب الاستثمارات، مما يضع صانع القرار أمام ضرورة إعادة تقييم شاملة لهذه الأدوات الحمائية قبل أن يتحول الركود الصناعي إلى ظاهرة هيكلية يصعب علاجها.

زر الذهاب إلى الأعلى