حقبة “التمويل السهل” تنتهي.. المصارف السعودية تتأهب لحمل “أثقال” تريليونية مع نضوج مشاريع الرؤية

الاقتصاد العربي | بقش
تدخل المنظومة المصرفية في المملكة العربية السعودية مرحلة مفصلية وحساسة في علاقتها بمشاريع “رؤية 2030″، حيث تشير القراءات المالية المعمقة إلى أن حقبة الاعتماد الكلي على الإنفاق الحكومي المباشر توشك على الانتهاء، لتبدأ مرحلة الانكشاف المصرفي الحقيقي.
فوفقاً لأحدث التقارير التي طالعها “بقش” والصادرة عن وكالة “فيتش ريتينغز”، ورغم أن مساهمة البنوك المحلية في تمويل المشاريع العملاقة لا تزال عند مستويات “التحوط”، إلا أن اقتراب هذه المشاريع من مراحل التشغيل الفعلي سيفرض واقعاً جديداً يتطلب ضخ سيولة هائلة مدعومة بتدفقات نقدية تشغيلية، وهو ما يضع الميزانيات العمومية للبنوك تحت مجهر الاختبار خلال السنوات القليلة المقبلة.
ويكشف التحليل الدقيق لبيانات القطاع أن الانكشاف الحالي للبنوك على هذه المشاريع لا يزال في حدوده الآمنة، حيث تتراوح نسبة التمويل المباشر بين 5% و7% فقط من إجمالي القروض، في حين لم يتجاوز إجمالي المخاطر الائتمانية المجمعة -شاملة الضمانات والالتزامات غير المباشرة- حاجز الـ 10%.
هذه الأرقام تعكس استراتيجية “النفس الطويل” التي اتبعتها البنوك، تاركة المخاطر الأولية لمرحلة الإنشاء على عاتق صندوق الاستثمارات العامة، إلا أن الوكالة تحذر من أن أي تعثر مستقبلي أو إعادة هيكلة جذرية لنطاق هذه المشاريع قد يلقي بظلاله الثقيلة على مؤشرات جودة الأصول البنكية على المدى الطويل، وإن كانت التوقعات تستبعد حدوث قفزات في الديون المشكوك في تحصيلها خلال عامي 2026 و2027 نظراً لمحدودية التورط الحالي.
وفي سياق المشهد الاقتصادي الأوسع، لا يمكن فصل هذا التقرير عن التحركات الحكومية الأخيرة لإعادة ترتيب أولويات المشاريع، أو ما يعرف بـ”الضبط المالي”، والذي طال مشاريع بارزة مثل “المكعب” و”ذا لاين” في نيوم. وترى “فيتش” أن هذا المشهد المعقد، الذي تتجاوز فيه القيمة المتوقعة لخمسة مشاريع كبرى (نيوم، القدية، البحر الأحمر، روشن، الدرعية) حاجز التريليون دولار، يقابله واقع تعاقدي فعلي بلغ 115 مليار دولار فقط منذ عام 2019. هذه الفجوة الرقمية الضخمة تشير بوضوح إلى أن القطاع المصرفي هو اللاعب “الاحتياطي” الذي سيتم استدعاؤه قريباً لملء الفراغ التمويلي مع اكتمال البنية التحتية وبدء التشغيل التجاري.
من “مخاطر الإنشاء” إلى “استنزاف رأس المال”
لقد لعب صندوق الاستثمارات العامة (PIF) دور “كاسحة الجليد” المالية خلال السنوات الماضية، حيث تشير التقديرات إلى تحمله عبء تمويل ما يقارب 50% من إجمالي الاحتياجات الرأسمالية والديون للمشاريع الكبرى، مما وفر حماية ضمنية للبنوك التجارية من مخاطر مرحلة التأسيس العالية. ومع ذلك، فإن الانتقال المرتقب نحو التمويل المصرفي مع اقتراب التشغيل يحمل في طياته تحديات محاسبية معقدة، إذ تصنف هذه التمويلات ضمن فئات المخاطر المرتفعة التي تتطلب أوزاناً ترجيحية تتراوح بين 80% و130% وفق اطلاع بقش، ما يعني أنها ستلتهم جزءاً كبيراً من رؤوس أموال البنوك وستضغط بشدة على هوامش كفاية رأس المال التي طالما تغنت بمتانتها المصارف السعودية.
هذا الضغط المتوقع يدفع البنوك السعودية للخروج من عباءة الإقراض التقليدي والبحث عن حلول هندسة مالية مبتكرة لتخفيف العبء عن ميزانياتها. ومن المتوقع أن تلجأ المؤسسات المالية إلى تفعيل أدوات “توريق الرهون العقارية” بشكل متسارع، ونقل المخاطر الجوهرية إلى أطراف ثالثة، أو حتى إعادة النظر في سياسات توزيع الأرباح السخية للاحتفاظ بالسيولة. وتأتي هذه الخطوات الاستباقية كضرورة حتمية، لا سيما مع التوقعات التي تشير إلى تسارع عمليات التوريق بحلول عام 2026 بالتزامن مع انخفاض متوقع في أسعار الفائدة، مما قد يحرر جزءاً من السيولة المجمدة ويعيد ضخها في شرايين المشاريع التنموية.
وعلى الرغم من التوقعات بتباطؤ نمو الائتمان المصرفي بشكل طفيف إلى 10% في عام 2026 مقارنة بـ 11.5% في 2025 نتيجة لتهدئة وتيرة ترسية العقود الجديدة، إلا أن مشاريع البنية التحتية المساندة -تلك التي لا تندرج تحت مسمى “العملاقة”- ستظل المحرك الرئيسي لطلب الشركات على الائتمان.
هذا التوازن الدقيق بين تمويل الكيانات العملاقة ودعم منظومة الأعمال التقليدية يشكل التحدي الأبرز لمدراء المخاطر في البنوك، الذين يتعين عليهم الموازنة بين واجبهم الوطني في دعم الرؤية وبين الحفاظ على سلامة مراكزهم المالية أمام المساهمين والمودعين.
أزمة السيولة والبحث عن مخارج غير تقليدية
يواجه القطاع المصرفي السعودي ضغوطاً متصاعدة على مستويات السيولة المحلية، وهو ما تعكسه الأرقام بوضوح، حيث قفزت نسبة القروض إلى الودائع لتصل إلى مستويات مقلقة عند 113% بنهاية عام 2025، ارتفاعاً من 110% في العام السابق.
هذا المؤشر الحساس يقرع أجراس الإنذار بضرورة تنويع مصادر التمويل بعيداً عن الودائع التقليدية التي لم تعد كافية لمواكبة الطلب الهائل على الإقراض. وفي هذا الإطار، بدأت بنوك كبرى مثل البنك الأهلي السعودي في استكشاف أدوات غير تقليدية حسب متابعات بقش، بما في ذلك دراسة خيارات التأمين على المحافظ الائتمانية لتحرير السيولة، في خطوة تعكس جدية الموقف وحاجة السوق لابتكارات تمويلية عاجلة.
ولم تقف البنوك مكتوفة الأيدي أمام شح السيولة، بل كثفت من لجوئها إلى أسواق الدين العالمية والمحلية عبر إصدارات الصكوك والسندات، لردم الفجوة التمويلية دون تعريض ميزانياتها لمخاطر إضافية غير محسوبة.
وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع نمو ملحوظ في قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، الذي ارتفعت حصته من الكعكة التمويلية إلى 11% بنهاية الربع الثالث من 2025. ويعزى هذا النمو جزئياً وفق قراءة بقش إلى انخفاض التكلفة الرأسمالية لهذا النوع من القروض مقارنة بتمويل المشاريع العملاقة، مما يجعله خياراً جذاباً للبنوك لتنويع محافظها وتقليل تركز المخاطر.
معادلة السيولة الحالية تفرض واقعاً جديداً يتمثل في ضرورة تعميق أسواق الدين في المملكة، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية ليس فقط للاستثمار في الأسهم، بل للمشاركة في تحمل أعباء الديون السيادية وشبه السيادية. فمع استمرار الحكومة في ضخ مشاريع مليارية، وتوجه البنوك نحو الحذر، يصبح الخيار الأمثل هو خلق سوق ثانوي نشط للديون، يتيح للبنوك تسييل أصولها وإعادة إقراضها، لضمان استمرار عجلة “رؤية 2030” في الدوران دون أن تتعرض الماكينة المصرفية للاحترار الزائد.


