الاقتصاد العالمي
أخر الأخبار

أرض الصومال: عقدة جيوسياسية في قلب التجارة العالمية وصراع النفوذ الدولي

الاقتصاد العالمي | بقش

تحوّلت “أرض الصومال” من إقليم منسي على هامش النظام الدولي إلى نقطة ارتكاز صلبة في الحسابات الجيوسياسية العالمية، بفعل موقعها الجغرافي الفريد الذي يضعها مباشرة على خط تماس مع واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم: مضيق باب المندب.

يمتد الإقليم على مساحة تقارب 177 ألف كيلومتر مربع بمحاذاة الساحل الجنوبي لخليج عدن، مقابل اليمن مباشرة، وعلى مسافة قصيرة من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وهذا الموقع وفق تناولات مرصد “بقش” يمنحه قدرة غير مباشرة على التأثير في حركة الملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، وهي مسارات تشكّل العمود الفقري للتجارة العالمية.

وتشير بيانات مؤسسات دولية متخصصة تتبَّعها “بقش” في النقل البحري والطاقة، إلى أن نحو 21 ألف سفينة تجارية تعبر باب المندب سنوياً، أي ما يعادل قرابة 10% من مجمل حركة الملاحة العالمية، وأكثر من 30% من تجارة الحاويات، إضافة إلى ما يقارب 12% من تجارة النفط المنقول بحراً.

أما في قطاع الطاقة، فتؤكد تقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تدفقات النفط عبر المضيق ارتفعت من 6.2 ملايين برميل يومياً عام 2018 إلى نحو 8.6 ملايين برميل يومياً في 2023، قبل أن تبدأ بالتأثر مجدداً مع تصاعد التوترات الأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن.

هذه الأرقام لا تعكس فقط أهمية الممر، بل تكشف أن ربع الشحن العالمي وأكثر من مليار طن بضائع سنوياً تمر عبر هذا الحزام البحري، ما يجعل أي موطئ قدم فيه ورقة ضغط إستراتيجية بالغة الحساسية.

قرن أفريقيا: من الهامش إلى قلب الصراع

لا يمكن فهم صعود “أرض الصومال” من دون وضعه في سياق التحولات الأوسع في القرن الأفريقي، وهي منطقة أصبحت مسرحاً لتقاطع المصالح الدولية: تنافس أمريكي صيني على النفوذ البحري واللوجستي، وتمدد روسي ناعم عبر اتفاقيات أمنية وموانئ، وحضور تركي وإماراتي متزايد، وهشاشة دولية ناتجة عن الحروب الأهلية والجماعات المسلحة.

وفي هذا المشهد المضطرب، تتحوّل الموانئ، والقواعد البحرية، والممرات البحرية إلى أدوات نفوذ لا تقل خطورة عن الجيوش التقليدية.

ويأتي التركيز الإسرائيلي على أرض الصومال في هذا السياق المركّب، وليس كخطوة معزولة أو رمزية. فإسرائيل، التي تعتمد بشكل كبير على حرية الملاحة في البحر الأحمر، تنظر إلى أي تهديد في باب المندب بوصفه تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

ومنذ عقود، تسعى تل أبيب إلى تطويق البحر الأحمر أمنياً، ومراقبة خطوط التجارة والطاقة، وتحييد أي قوى معادية قد تؤثر على الملاحة الإسرائيلية.

ويمثل الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” في ديسمبر 2025، بوصفه الكيان الوحيد الذي منح الإقليم اعترافاً دبلوماسياً رسمياً، قفزة نوعية في هذا المسار، لأنه يفتح الباب أمام تعاون أمني واستخباراتي مباشر وترتيبات بحرية مستقبلية ووجود لوجستي أو تقني قرب باب المندب.

وهذا الاعتراف لا ينفصل عن مخاوف إسرائيل المتصاعدة من تطور قدرات الفاعلين غير الدوليين في البحر الأحمر والتحولات العسكرية في اليمن وإعادة رسم خرائط النفوذ في السودان وإريتريا.

وللاعتراف الإسرائيلي أبعاد استثمارية استراتيجية طويلة الأمد في إقليم يتمتع بعدة مزايا، منها غياب اعتراف دولي واسع يتيح مرونة في التفاهمات، وحاجة الإقليم إلى داعم خارجي قوي، وموقع بحري يسمح بالمراقبة والإنذار المبكر.

لكن هذه الخطوة تحمل في طياتها تداعيات معقدة، أبرزها تعميق الانقسام داخل الصومال، وزيادة حدة التنافس الإقليمي مع دول عربية وأفريقية، وإدخال القرن الأفريقي في دائرة الصراع الإسرائيلي الإقليمي.

وتُجمع تقارير مراكز أبحاث دولية على أن أي تغيير في موازين القوى قرب باب المندب ينعكس فوراً على أسعار التأمين البحري وتكاليف الشحن العالمية وأسعار الطاقة وأمن قناة السويس.

كما أن وجود أطراف خارجية ذات أجندات متضاربة يزيد من احتمالات العسكرة غير المباشرة للممرات البحرية، وهو ما يهدد بتحويل المنطقة إلى بؤرة احتكاك دائمة.

أرض الصومال بين الطموح والمخاطر

يحاول الإقليم تقديم نفسه للمجتمع الدولي كـ”بوابة استثمارية مستقرة” في منطقة مضطربة، مستفيداً من موقعه الجغرافي وهدوئه النسبي مقارنة ببقية الصومال ورغبته في الانفتاح الاقتصادي.

غير أن هذا الطموح يصطدم بجملة من التحديات أبرزها غياب الاعتراف الدولي الواسع وهشاشة البيئة الأمنية الإقليمية وخطر التحول إلى ساحة صراع بالوكالة.

ويمكن القول إن إقليم صوماليلاند “أرض الصومال” لم يعد مجرد كيان انفصالي يسعى إلى اعتراف دولي، بل أصبح رقعة شطرنج حساسة في صراع النفوذ العالمي على طرق التجارة والطاقة. ويكشف الحضور الإسرائيلي المتزايد فيه عن تحوّل أعمق في طبيعة الصراع حول البحر الأحمر وباب المندب، حيث لم تعد السيطرة العسكرية المباشرة هي الأداة الوحيدة، بل التحالفات والاعترافات والتموضع الذكي.

وفي عالم يشهد تآكل القواعد التقليدية للنظام الدولي، تبدو هذه المنطقة مرشحة لأن تكون أحد أكثر بؤر التوتر تأثيراً في الاقتصاد العالمي خلال السنوات القادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى