أزمة تمويل تهدد بمنعطف حرج في اليمن: انهيار الخدمات يضاعف الكلفة الاقتصادية والاجتماعية

متابعات محلية | بقش
يشهد اليمن انتقالاً خطيراً في مسار أزمته الإنسانية، حيث يتقاطع تراجع التمويل الدولي مع تمدد الاحتياجات على نحو غير مسبوق، مما يضع البلاد أمام منعطف قد يعمّق دائرة الانهيار إلى مستويات تتجاوز قدرة المؤسسات المحلية والدولية على الاحتواء. فمع دخول عام 2026، لم تعد الأزمة محصورة في نقص الغذاء أو تفكك الخدمات الأساسية، بل باتت أزمة اقتصاد إنساني منهار تحت ضغط ضعف الإنفاق، وتراجع القدرة الشرائية، وتآكل شبكات الأمان الاجتماعي الرسمية وغير الرسمية.
ورغم الجهود الأممية لتبني نهج جديد يقوم على تحديد الأولويات وإنقاذ الأرواح بشكل مباشر، إلا أن فجوة التمويل تتسع بصورة تجعل العائد الإنساني أقل من المطلوب، بينما ترتفع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لانهيار الخدمات إلى مستويات تتجاوز قدرة المانحين على الاستجابة. فالمنشآت الصحية تتوقف، وقطاعات المياه تتآكل، وحالات سوء التغذية ترتفع، في وقت لا يستوعب فيه الاقتصاد اليمني أي صدمة إضافية.
وفي ظل هذا الاشتباك بين الاحتياجات والتمويل المحدود، تتحرك تدخلات الأمم المتحدة نحو تبني نماذج أكثر تركيزاً على الفئات الأشد ضعفاً، مع توسيع دور المنظمات المحلية وتوجيه الموارد نحو التدخلات الأكثر إلحاحاً وفق قراءة مرصد “بقش”. إلا أن هذه المقاربة، رغم تأثيرها، تواجه تحديات جوهرية تتعلق بغياب الاستقرار المالي للمؤسسات الإنسانية، وتشتت منظومة الخدمات الحكومية، وارتفاع الكلفة التشغيلية في بلد يعيش على حافة المجاعة.
وبين التحولات السياسية والاقتصادية، تتضح ملامح عام قد يعيد رسم الخريطة الإنسانية بالكامل: فاستمرار العجز المالي يعني انهياراً متسارعاً لمنظومات الغذاء والصحة والمياه والحماية، وهو ما قد يدفع اليمن إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في تاريخه الحديث.
اقتصاد المجاعة وتآكل رأس المال البشري
تُظهر بيانات المنظمات الدولية التي تتبَّعها بقش أن 18.1 مليون شخص يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وهو رقم يعكس ليس فقط حجم الاحتياج، بل أيضاً الانكماش الحاد في القدرة الشرائية وتراجع الدخل الحقيقي للأسر.
ومع دخول 41 ألف شخص مرحلة المجاعة الكارثية، و1.6 مليون في حالة طوارئ غذائية، يتضح أن الاقتصاد اليمني يعاني من ظاهرة “مجاعة اقتصادية” ناجمة عن انهيار شبكات الإنتاج والدخل وليس فقط نقص الغذاء.
هذا الانهيار يتبعه تآكل خطير لرأس المال البشري، إذ يواجه أكثر من 2.5 مليون طفل خطر سوء التغذية الحاد، بينهم 600 ألف طفل في حالة تهدد الحياة.
تأثير هذه الأرقام يتجاوز الجانب الإنساني إلى الجانب الاقتصادي، إذ تشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن سوء التغذية الحاد في الطفولة يحدّ من إنتاجية الفرد مدى الحياة، بما قد يؤدي إلى فقدان عشرات مليارات الدولارات من الإنتاجية المستقبلية.
ورغم أن برامج الأمن الغذائي تمكنت من الوصول إلى 6.5 مليون شخص، إلا أن الفجوة التمويلية تجعل التدخلات غير كافية لوقف الانحدار نحو مجاعة واسعة. ومع تقلص التمويل، يصبح خطر انتشار المجاعة مضاعفاً، خاصة في المناطق الريفية المحرومة من الخدمات، حيث يشكل الغذاء آخر خط دفاع اقتصادي ضد الانهيار الكامل.
انهيار الخدمات الأساسية وتحولها إلى أزمة اقتصادية مركبة
تراجع الخدمات الصحية في اليمن لم يعد أزمة قطاعية، بل أصبح مكلفاً على مستوى الاقتصاد الكلي، مع إغلاق مئات المرافق الصحية وارتفاع عدد من لا يحصلون على خدمات الرعاية الأساسية إلى 8.41 مليون شخص. هذا الانهيار يرفع الكلفة الصحية والاقتصادية مستقبلاً، إذ يؤدي إلى ارتفاع الوفيات، وقلة العمالة القادرة على العمل، وزيادة العبء على شبكات الدعم الإنسانية.
أما قطاع المياه والصرف الصحي فيواجه انهياراً أسرع، إذ يعاني أكثر من 15 مليون شخص من انعدام الأمن المائي، فيما يفتقر 17.4 مليون إلى خدمات النظافة الأساسية. ويؤدي هذا الوضع إلى ارتفاع الأمراض المنقولة بالمياه، التي تمثل أحد أكبر مصادر الوفيات في البلاد. هذه الأوبئة تحمل تبعات اقتصادية مباشرة، منها خسائر الإنتاجية، وتكاليف العلاج، ومفاقمة ضعف الاقتصاد المحلي الذي يعتمد على عمل اليد العاملة اليومية.
كما أدى شح التمويل وتراجع البنية التحتية إلى تآكل دور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية، مما دفع المجتمعات للاعتماد على بدائل مكلفة وغير فعّالة، مثل شراء المياه من المصادر التجارية، أو الاعتماد على عيادات خاصة منخفضة الكفاءة. هذه البدائل تزيد من مستوى الإنفاق الأسري، وتضغط على ميزانيات الأسر الهشة، وتزيد من عمق الأزمة الاقتصادية.
الضغط على أسواق العمل والمجتمع وتفاقم الهشاشة
تراجع الخدمات وتوسع الفقر يؤديان إلى أزمة اجتماعية مركبة، حيث يجد ملايين اليمنيين أنفسهم في دائرة هشاشة متزايدة. فمع تدهور سبل العيش وارتفاع البطالة وانخفاض الدخل، تتزايد تبعية الأسر للمساعدات النقدية، التي استفاد منها 323 ألف شخص حتى أغسطس 2025 حسب مراجعة بقش. لكن هذه المساعدات لا تكفي لمواجهة الارتفاع الحاد في التضخم، وتراجع القدرة الشرائية.
على مستوى النزوح، يواجه أكثر من 1.1 مليون نازح خطر تدهور ظروفهم المعيشية في حال توقف الدعم. ويؤدي النزوح المستمر إلى ضغط كبير على المدن المضيفة، ما يخلق اختلالات في أسواق العمل، وارتفاعاً في الطلب على الخدمات التي لا تملك الحكومات القدرة على توفيرها.
كما تواجه النساء والفتيات أوضاعاً أكثر هشاشة، إذ يحتاج 6.2 مليون شخص إلى خدمات متعلقة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي. هذا الارتفاع في العنف يعكس تدهور البنية الاجتماعية، ويؤدي إلى تبعات اقتصادية تتعلق بفقدان النساء لفرص العمل، وارتفاع كلفة الرعاية والدعم النفسي والاجتماعي.
التمويل الدولي بين التراجع والتحولات السياسية
تواصل الأمم المتحدة التحذير من تراجع التمويل المخصص لليمن، إذ انخفضت التزامات المانحين بشكل حاد، مما أدى إلى تقليص البرامج الأساسية ووقف بعضها بالكامل. هذا التراجع لا يعكس فقط أزمة موارد، بل يعكس أيضاً تحولاً في الأولويات السياسية للدول المانحة، التي باتت تركز على أزمات جديدة في مناطق أخرى.
وفي المقابل، توسع الأمم المتحدة دور المنظمات المحلية التي حصلت على 59% من تمويل صندوق اليمن الإنساني، مقارنة بـ44% قبل عامين. ورغم أهمية هذا التحول نحو “تمكين العمل المحلي”، إلا أن المنظمات المحلية تواجه تحديات تشغيلية ومالية تجعلها أقل قدرة على سد الفجوة التي تركها تراجع التمويل الدولي.
كما يؤثر التشتت السياسي في اليمن على وصول التمويل، إذ يتردد عدد من المانحين في التعامل مع بيئة منقسمة سياسياً، تتراجع فيها قدرة السلطات المحلية والحكومة على إدارة أو مراقبة التدفق المالي. هذا الوضع يطيل فترة الاعتماد على التمويل الخارجي، ويمنع الانتقال نحو حلول تنموية طويلة الأمد.
يدخل اليمن عام 2026 وهو يقف على خط فاصل بين استمرار الأزمة الإنسانية بصورتها الحالية، أو دخولها مرحلة أشد تعقيداً قد يصعب احتواؤها لاحقاً. تراجع التمويل، وانهيار الخدمات الأساسية، وانتشار سوء التغذية، كلها مؤشرات على أزمة اقتصادية–اجتماعية تتفاعل معاً لتنتج بيئة هشاشة متصاعدة. وفي ظل غياب تدخلات قوية وسريعة، ستدفع هذه الأزمة البلاد نحو انكماش أعمق، وفقدان طويل الأمد لرأس المال البشري.
كما تشير المؤشرات الاقتصادية حسب اطلاع بقش إلى أن استمرار الانهيار الخدمي سيضاعف كلفة إعادة الإعمار مستقبلاً، إذ تصبح معالجة سوء التغذية، وإعادة تأهيل الأنظمة الصحية، واستعادة المياه، أكثر صعوبة وكلفة. كل سنة من التقاعس تزيد الفاتورة، وترفع احتمال دخول قطاعات كاملة في حالة انهيار دائم.
وفي المحصلة، لم تعد الأزمة اليمنية أزمة إنسانية فحسب، بل أصبحت أزمة اقتصاد منهار تحت ضغط الجوع، وانهيار المؤسسات، وتحولات السياسة الدولية. ومع استمرار فجوة التمويل، سيبقى مستقبل اليمن رهناً بقدرة المجتمع الدولي على توفير دعم مستقر، وبقدرة الأطراف المحلية على توفير بيئة تُمكّن التدخلات من الصمود، قبل أن يصل الانهيار إلى مستوى لا يمكن عكسه.


