أمريكا مهددة بالحرب على إيران.. هل تتبخّر صلابة الاقتصاد وتفاؤلات واشنطن؟

الاقتصاد العالمي | بقش
في وقت كان فيه الاقتصاد الأمريكي يُظهر إشارات تعافٍ تدريجي بعد عام حافل بالاضطرابات التجارية وأزمات الهجرة والتقلبات السياسية، جاء التصعيد العسكري ضد إيران ليضع هذا التعافي أمام امتحان صعب جديد قد يعيد حالة الضبابية إلى المشهد الاقتصادي في الولايات المتحدة.
وحسب تحليل اطلع عليه “بقش” لدى “رويترز”، فإن قرار ترامب توجيه ضربات مفتوحة ضد إيران، بهدف معلن يتمثل في إنهاء حكم النظام الإسلامي القائم منذ عقود، أدخل أكبر اقتصاد في العالم في اختبار جديد لمرونته، بعد عام اتسم بصدمات تجارية واضطرابات في ملف الهجرة وتقلبات سياسية داخلية.
وقبل اندلاع الحرب على إيران، كانت قطاعات من الاقتصاد الأمريكي تُظهر مؤشرات على استعادة الثقة. بيانات الإنفاق والاستثمار الرأسمالي التي يتابعها بقش بدأت تتحسن، وسوق العمل حافظت على تماسكها، كما أن أرباح الشركات الكبرى عكست قدرة على تجاوز حالة الشلل التي سادت فترات سابقة نتيجة عدم وضوح السياسات التجارية.
إلا أن التحول المفاجئ نحو مواجهة عسكرية في منطقة تعد من أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم أعاد إلى الواجهة عنصر عدم اليقين، فالتوترات تتعلق بتداعياتها المحتملة على أسعار النفط، وتكاليف الشحن، واستقرار سلاسل الإمداد العالمية.
وقفزت أسعار النفط خلال عطلة نهاية الأسبوع من نحو 70 دولاراً إلى ما يقارب 80 دولاراً للبرميل قبل أن تتراجع جزئياً إلى منطقة تتراوح بين 77 و78 دولاراً لخام برنت، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من تجارة النفط العالمية.
ورغم أن الولايات المتحدة أصبحت أقل عرضة لصدمات الطاقة مقارنة بسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بفضل ارتفاع إنتاجها المحلي من النفط والغاز، فإنها ليست بمنأى عن التأثيرات غير المباشرة، فالأسعار العالمية للخام تحدد كلفة الوقود داخلياً، كما أن أي تعطيل للتجارة العالمية قد يضغط على الصادرات الأمريكية ويزيد من تكاليف الواردات.
وقد تمتد آثار ارتفاع النفط إلى قطاعات النقل والصناعة والزراعة في أمريكا، ما قد ينعكس على معدلات التضخم التي لا تزال تحت المراقبة الدقيقة من قبل صناع السياسة النقدية.
ثقة الرؤساء التنفيذيين تحت الاختبار.. والفيدرالي بين نارين
أظهر استطلاع أجرته لجنة المؤتمرات أن ثقة الرؤساء التنفيذيين في الاقتصاد الأمريكي ارتفعت مطلع العام، في مؤشر على تجاوز مرحلة الحذر التي أعقبت توترات تجارية وسياسية سابقة، غير أن نحو 60% من المشاركين أشاروا إلى أن التوترات الجيوسياسية تمثل خطراً معطلاً محتملاً.
وعَكَس هذا التباين معادلة دقيقة، فمن جهة هناك اقتصاد أظهر قدرة على امتصاص صدمات متتالية، ومن جهة أخرى يضيف اندلاع نزاع عسكري مفتوح في الشرق الأوسط متغيراً يصعب التنبؤ بمداه الزمني والجغرافي.
كما وصف البنك الدولي في أحدث تقييم له الآفاق الاقتصادية الأمريكية بأنها “متفائلة”، إلا أن هذا التوصيف بات مرهوناً بقدرة الاقتصاد على تجاوز اضطرابات غير متوقعة في أسواق الطاقة والشحن.
ويبقى موقف الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أحد أبرز الأسئلة المطروحة، فهل يتعامل مع الصراع كصدمة مؤقتة، أم يعيد ضبط سياسته استناداً إلى أثر دائم على التضخم والنمو؟. حتى الآن، حسب قراءة بقش، تميل أسواق العقود الآجلة إلى توقع خفضين لأسعار الفائدة هذا العام، بدءاً من اجتماع أواخر يوليو.
لكن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يعقّد المشهد، فإذا أدى النزاع إلى موجة تضخمية جديدة، فقد يجد البنك المركزي نفسه مضطراً إلى الإبقاء على سياسة نقدية أكثر تشدداً لفترة أطول.
وشهدت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين انخفاضاً أولياً مع اندفاع المستثمرين نحو الأصول الآمنة، قبل أن ترتفع مجدداً مع تزايد المخاوف من انعكاسات تضخمية، كما ارتفع الدولار مقابل سلة من العملات الرئيسية، في إشارة إلى بحث المستثمرين عن ملاذ آمن.
وتستحضر هذه التطورات تجربة الحرب الأوكرانية الروسية عام 2022، عندما واجه الاقتصاد العالمي صدمة مماثلة في أسواق الطاقة والغذاء. آنذاك، تعامل بنك الاحتياطي الفيدرالي بحذر في البداية، لكنه عاد سريعاً إلى مسار رفع الفائدة بقوة مع تصاعد الضغوط التضخمية.
غير أن الفارق هذه المرة يكمن في أن الاقتصاد الأمريكي يدخل الأزمة الحالية بمستويات تضخم أقل حدة مقارنة بذروة 2022، وإن كانت لا تزال أعلى من الهدف الرسمي للبنك المركزي.
سيناريوهات متباينة
يرى محللون أن المسار الاقتصادي سيتحدد وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية، أولها “احتواء سريع للصراع”، فإذا تراجعت حدة المواجهة أو تحولت إلى نزاع داخلي محدود في إيران، فقد تنخفض أسعار النفط تدريجياً، ويستعيد الاقتصاد الأمريكي زخمه دون أضرار كبيرة.
ثاني السيناريوهات هو التصعيد الإقليمي الأوسع، وفي حال توسع الحرب لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى أو تعطل طرق التجارة العالمية، مع بقاء النفط فوق 120 دولاراً للبرميل، فقد تتضرر سلاسل التوريد العالمية، وترتفع تكاليف التأمين والشحن، ما قد يدفع الاقتصاد الأمريكي نحو تباطؤ حاد.
أما السيناريو الثالث فيتمثل في “حملة غير متكافئة طويلة الأمد”، أي عمليات سيبرانية أو هجمات عبر وكلاء إقليميين تستهدف منشآت طاقة أو بنى تحتية تجارية خارج ساحات المواجهة التقليدية، ما يطيل أمد حالة عدم اليقين ويُبقي المخاطر مرتفعة لفترة ممتدة.
وحتى الآن، لا تزال ردود فعل الأسواق ضمن نطاق يمكن وصفه بالمحدود نسبياً، لكن طبيعة النزاع غير المتوقعة تبقي عنصر المخاطرة قائماً، فجزء كبير من تفاؤل 2026 كان يستند إلى تراجع الحذر السياسي وعودة الشركات إلى توسيع استثماراتها وتوظيفها.
اليوم تبدو تلك الفرضية أمام اختبار فعلي، فإذا استمرت المواجهة أو اتسع نطاقها، فقد تتراجع شهية الاستثمار، ويعود الحذر إلى قرارات التوظيف والإنفاق الرأسمالي. وبالنتيجة، لا يقف الاقتصاد الأمريكي حالياً على حافة أزمة فورية، لكنه يواجه بيئة عالمية أكثر هشاشة، وقدرتُه على الصمود ستعتمد على سرعة احتواء الحرب، ومسار أسعار الطاقة، وكيفية موازنة صناع القرار بين دعم النمو وكبح التضخم.


