
الاقتصاد العالمي | بقش
تجد الدول الأوروبية نفسها أمام معادلة معقدة مع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، حيث تتزايد الضغوط الأمريكية للمشاركة في تأمين الملاحة وإعادة فتح الممر الحيوي، في وقت تبدو فيه قدرة أوروبا على الاستجابة محدودة سياسياً وعسكرياً.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد دعا حلفاءه في حلف شمال الأطلسي إلى تقديم دعم مباشر، محذّراً حسب متابعات “بقش” من تداعيات سلبية في حال عدم الاستجابة، وهو ما وضع العواصم الأوروبية في موقف صعب ما بين الحفاظ على التحالف مع واشنطن وتجنب الانخراط في تصعيد عسكري واسع.
ورغم أن بعض الدول الأوروبية تمتلك وجوداً عسكرياً في المنطقة، فإن هذا الوجود لا يترجم بالضرورة إلى قدرة على التدخل الواسع، وفق تقرير لبلومبيرغ، فالمواقف السياسية الداخلية إلى جانب الحسابات الاستراتيجية تفرض قيوداً واضحة على حجم ونوعية المشاركة.
وتتجه أوروبا إلى تفضيل المسار الدبلوماسي كخيار أول، عبر محاولة الضغط على إيران لتخفيف التصعيد، دون الوصول إلى مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى تعقيد الأزمة أو استفزاز الإدارة الأمريكية.
وتبدو فكرة تحرك جماعي عبر حلف شمال الأطلسي غير مرجّحة في الوقت الراهن، نتيجة تردد عدد من الدول الأعضاء في الانخراط في صراع جديد، كما أن أي قرار أوروبي مشترك، مثل توسيع المهام البحرية الحالية، يتطلب إجماعاً سياسياً يصعب تحقيقه في ظل تباين المواقف.
وفي هذا السياق، يُتوقع أن تأتي أي مساهمة أوروبية عبر تحالفات محدودة أو مبادرات فردية، تقودها دول مثل فرنسا وبريطانيا، لكن حتى هذه المشاركة ستكون في الغالب ذات طابع دفاعي، وفق ما أعلنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وتكشف الأزمة عن فجوات واضحة في القدرات العسكرية الأوروبية، خصوصاً في المجال البحري، فرغم أن القوات البحرية تُعد من أبرز أدوات القوة الأوروبية، إلا أن جزءاً كبيراً من معداتها يوصف بالمتقادم، ما يحدّ من فعاليتها في عمليات معقدة وطويلة الأمد.
كما أن الانتشار العسكري الحالي، رغم رمزيته، لا يعكس استعداداً لقيادة عمليات واسعة، حيث يظل محدوداً من حيث العدد والتجهيز، مقارنة بحجم التحديات في المنطقة.
وحسب قراءة بقش، قامت فرنسا بنشر عدد كبير من سفنها الحربية في الشرق الأوسط، في مؤشر على قدرتها على التحرك السريع، إلا أن هذا الانتشار يظل مقيداً بالتزامات أخرى في مناطق مختلفة. أما بريطانيا فدفعت بقطع بحرية إلى شرق المتوسط، لكن دون توسيع كبير في وجودها العسكري.
كما شاركت دول أوروبية أخرى، مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا وهولندا، بقدرات محدودة ضمن مهام مشتركة، في إطار يعبّر عن الحذر السياسي أكثر من كونه استعداداً لتصعيد عسكري.
حسابات الاقتصاد والسياسة
تشير بلومبيرغ إلى أن أوروبا تدرك أن استمرار إغلاق المضيق قد ينعكس بشكل مباشر على اقتصاداتها، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة تكاليف السلع الأساسية، ومع ذلك فإن الانخراط في عمليات عسكرية قد يواجه رفضاً شعبياً متزايداً، خاصة في ظل عدم تأييد واسع للحرب على إيران، وهذا التناقض يضع الحكومات الأوروبية أمام خيارين صعبين، إما تحمل التبعات الاقتصادية، أو المخاطرة بتداعيات سياسية داخلية وخارجية.
وتعوّل أوروبا بشكل كبير على القنوات الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، لكن هذا الخيار لا يخلو من المخاطر، فواشنطن قد تنظر إلى هذا التوجه على أنه تقاعس عن دعم الحلفاء، وهو ما قد يؤثر على العلاقات عبر الأطلسي، كما أن هناك مخاوف من أن تستغل إيران هذا التباين عبر تقديم تسهيلات محدودة للسفن الأوروبية، بهدف إحداث انقسام داخل المعسكر الغربي.
وأمام هذه المعطيات، يبدو أن الدور الأوروبي في أزمة مضيق هرمز سيظل محدوداً ومحكوماً بالتوازنات الدقيقة بين السياسة والقدرة، وبين ضغوط ترامب وتعقيدات الداخل الأوروبي ومخاطر التصعيد مع إيران، تبقى خيارات أوروبا ضيقة، ويُرهن مستقبل الملاحة في أحد أهم الممرات النفطية في العالم بتطورات المشهد الجيوسياسي.


