تقارير
أخر الأخبار

استراتيجية أبعد من النقل.. اتفاق على الممر التركي السوري الأردني يغير معادلة التجارة الإقليمية

تقارير | بقش

في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية تتجاوز ظاهرها اللوجستي، اتفقت تركيا وسوريا والأردن على إعادة تفعيل ممر بري إقليمي مشترك يهدف إلى تسهيل حركة البضائع والأشخاص، بعد أكثر من عشر سنوات من تعطّل الطرق البرية التي كانت تشكل شرياناً رئيسياً للتجارة في المشرق.

الاتفاق، الذي جرى تثبيته عبر مذكرة تفاهم ثلاثية أُعلنت يوم أمس الإثنين، 26 يناير 2026، يسعى إلى خفض كلفة النقل، وتعزيز الربط الإقليمي، وإعادة دمج سلاسل الإمداد التي تضررت بفعل الصراعات والاضطرابات الجيوسياسية.

ولا يقتصر الاتفاق على فتح المعابر أو تسهيل العبور، بل ينطوي على خطة أوسع لتطوير البنية التحتية للنقل البري والجوي، وإحياء خطوط السكك الحديدية، وتبني أنظمة نقل ذكية، إلى جانب توحيد المعايير التنظيمية بين الدول الثلاث. وحسب اطلاع مرصد “بقش” فإن هذا التوجه يعكس إدراكاً متزايداً بأن كلفة التجارة في المنطقة العربية باتت خانقة، إذ تشير بيانات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا “الإسكوا” إلى أن تكاليف التجارة في المنطقة تبلغ نحو 148% من قيمة البضائع، وهي من أعلى المعدلات عالمياً.

وتسعى الدول الثلاث إلى تقليص الاعتماد على الشحن البحري، الذي شهد ارتفاعاً في التكاليف وتأخراً في مواعيد التسليم خلال السنوات الأخيرة، والبحث عن مسارات برية أقل كلفة وأكثر استقراراً.

ممر بديل بين أوروبا والخليج

يرى خبراء أن إعادة تشغيل هذا الممر قد تخلق مساراً تنافسياً يربط الأسواق الأوروبية بدول الخليج عبر تركيا وسوريا والأردن، مستفيداً من الموقع الجغرافي المتصل لهذه الدول. هذا الربط لا يقتصر أثره على التبادل التجاري المباشر، بل يمتد ليشمل تنشيط قطاعات الخدمات اللوجستية، والتخزين، والنقل، والتصنيع المشترك.

وتورد وكالة بلومبيرغ أن الاتفاق يشكّل خطوة استراتيجية نحو إعادة بناء ممر إقليمي عابر، يربط المشرق العربي بالشبكات الأوروبية عبر الأراضي التركية، مستفيداً من التطور الكبير الذي حققته تركيا في شبكات الطرق والسكك الحديدية المرتبطة بأوروبا، ما يتيح نقل البضائع القادمة من الأردن عبر سوريا إلى الأسواق الأوروبية بزمن وكلفة أقل مقارنة بالمسارات البحرية الطويلة.

وبالنسبة لأنقرة، يأتي الاتفاق ضمن رؤية أوسع لتأمين ممرات برية مباشرة نحو أسواق الشرق الأوسط والخليج، وتقليل الاعتماد على الطرق البحرية. وزير التجارة التركي عمر بولات كان قد أعلن في نوفمبر 2025 عن مشروع إحياء “طريق الشرق الأوسط”، الذي يربط تركيا بسوريا والأردن وصولاً إلى السعودية ودول الخليج ومصر وفق متابعات بقش، متوقعاً دخوله الخدمة تدريجياً خلال عام 2026، بعد معالجة تحديات تشغيلية تتعلق بالبنية التحتية والإجراءات التنظيمية.

بولات أشار حينها إلى أن هذا الطريق سيسمح للشاحنات التركية بالعبور المباشر إلى الأردن ودول الخليج، مؤكداً وجود رغبة مشتركة بين أنقرة وعمّان لإصلاح وتجديد خط سكة حديد الحجاز التاريخي، سواء لنقل البضائع أو الركاب.

وفي الحالة السورية، يتجاوز الاتفاق كونه مشروع نقل، ليشكل جزءاً من مسار أوسع لإعادة دمج البلاد في الاقتصاد الإقليمي بعد سنوات من العزلة وتعطل البنية التحتية.

تقارير “الإسكوا” التي اطلع عليها بقش تؤكد أن إعادة تفعيل الممرات البرية تمثل عنصراً محورياً لأي تعاف اقتصادي مستدام في الدول الخارجة من نزاع، نظراً لقدرتها على تحفيز التجارة وتوليد إيرادات عبور سريعة الأثر، إلى جانب خلق فرص عمل في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية.

وتبرز سكة حديد الحجاز التاريخية كرمز لهذا الربط، إذ كانت تمتد من دمشق إلى المدينة المنورة وتشكل جزءاً أساسياً من شبكة نقل إقليمية، قبل أن تتراجع وظيفتها العابرة للحدود على مدى عقود. الأزمة السورية أدت إلى توقف جزء كبير من خدمات السكك الحديدية، ما زاد من عزلة البنية التحتية داخل البلاد.

ووفق تصريحات سابقة لوزير النقل السوري، تحتاج سوريا إلى استثمارات تُقدَّر بنحو 5.5 مليارات دولار لإصلاح وتطوير شبكة السكك الحديدية وفق المعايير الدولية، في وقت لا تتجاوز فيه الخطوط العاملة حالياً 1052 كيلومتراً من أصل شبكة يبلغ طولها 2800 كيلومتر.

أما الأردن فيقف في قلب هذا المشروع باعتباره حلقة الربط التشغيلية بين أطراف الممر، مستفيداً من شبكة الطرق البرية القائمة وميناء العقبة على البحر الأحمر كنقطة وصل بين النقل البري والبحري. ويُتوقع أن يعزز الاتفاق دور العقبة كبوابة إقليمية للتجارة، ويعيد للأردن مكانته التقليدية كممر ترانزيت بين أوروبا ودول الخليج والعراق.

صعوبات أمام المشروع

خلف هذا الاتفاق تقف حسابات أعمق من مجرد خفض كلفة النقل، فالدول الثلاث تسعى إلى إعادة ترتيب موقعها في خريطة التجارة الإقليمية والدولية، وبناء ممرات بديلة أكثر أمناً واستقلالية في ظل عالم يتجه نحو إعادة تشكيل سلاسل الإمداد.

توحيد المعايير التنظيمية، والتحول الرقمي في أنظمة النقل، وإشراك القطاع الخاص، كلها عناصر تشير إلى محاولة تأسيس ممر نقل مستدام، لا يعتمد فقط على الجغرافيا، بل على التكامل المؤسسي والاستثماري.

لكن على المدى القصير قد يواجه المشروع تحديات تتعلق بكلفة إعادة التأهيل، والاعتبارات الأمنية، حيث لا تزال بعض المناطق في الأراضي السورية في هشاشة أمنية وتعاني من عدم استقرار، وهو عامل حساس لأي ممر عبور دولي يعتمد على تدفق منتظم وآمن للبضائع والأشخاص، أي اضطراب أمني قد يرفع كلفة التأمين ويقلل ثقة شركات النقل.

كما يحتاج المشروع إلى استقرار سياسي طويل الأمد، في حين أن تغيّر التحالفات أو تصاعد التوترات قد يعيد تعطيل الممر كما حدث سابقاً.

كما أن هناك تحديات تتعلق بالبنية التحتية نفسها، فجزء كبير من البنية التحتية في سوريا يحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة، خصوصاً السكك الحديدية، التي تتطلب استثمارات ضخمة وزمناً طويلاً للإنجاز. إضافةً إلى ضعف البنية اللوجستية المساندة، مثل مراكز التخزين، والمناطق الجمركية الحديثة، ومحطات التبادل متعددة الوسائط.

ويبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع الاتفاق، بل في الانتقال من الإرادة السياسية إلى التنفيذ المستدام. فالممر البري لن ينجح في الغالب كمشروع استراتيجي ما لم يُدَر كمنظومة متكاملة أمنياً، وتمويلياً، وتنظيمياً، وبشراكة فعلية مع القطاع الخاص وفق التحليلات، وذلك لخلق رافعة اقتصادية طويلة الأمد.

زر الذهاب إلى الأعلى