الاقتصاد العربي
أخر الأخبار

الارتطام بالقاع: غزة تدخل طور “المجاعة الهيكلية” واندثار الطبقة الوسطى

الاقتصاد العربي | بقش

تجاوز المشهد الاقتصادي في قطاع غزة مع مطلع عام 2026 حدود التوصيفات التقليدية للأزمات المعيشية، ليدخل في طور “الاندثار المؤسسي” الشامل، حيث لم يعد الصراع يدور حول مستويات الفقر، بل حول زوال مفهوم “الدورة الاقتصادية” من الأساس. إن ما يشهده القطاع حالياً هو عملية “تصفير” متعمدة لكل مقومات الإنتاج والاستهلاك، حيث تضافرت سياسات الحصار المطبق مع تدمير البنى التحتية لخلق واقع جيوسياسي واقتصادي جديد، يهدف إلى تحويل المجتمع الغزي من مجتمع حيوي منتج إلى كتلة بشرية معطلة تعيش في حالة “انكشاف معيشي مطلق”.

هذا التحول الدراماتيكي أدى إلى تلاشي الخطوط الفاصلة بين الطبقات الاجتماعية، حيث انصهرت الطبقة الوسطى من موظفين وأصحاب مهن في بودقة العوز، لينتهي بهم المطاف في طوابير انتظار المساعدات التي باتت تُستخدم كأداة ضغط سياسي وبيولوجي.

لقد أفرزت الحرب واقعاً اقتصادياً مشوهاً يتسم بـ “تضخم الفراغ”، حيث ترتفع الأسعار بشكل جنوني لا بسبب زيادة الطلب، بل بسبب انعدام العرض وتحطم سلاسل التوريد بالكامل. هذا الواقع جعل من العملة النقدية -على ندرتها- تفقد وظيفتها كأداة للتبادل المستقر، لتتحول إلى وسيلة يائسة للمطاردة خلف سلع أساسية تُباع بأسعار تضاعفت آلاف المرات.

إن الانهيار الحالي ليس نتاجاً عرضياً للعمليات العسكرية فحسب، بل هو نتيجة لسياسة “التجويع الممنهج” التي استهدفت تدمير الأسواق المحلية والورش الصغيرة والمساحات الزراعية، مما جعل الغذاء والدواء والماء سلعاً تخضع لمضاربات تجار الحروب في ظل غياب أي سلطة رقابية قادرة على لجم الانفلات السعري الذي ينهش ما تبقى من رمق لدى السكان.

في هذا المشهد السوداوي، يبرز تآكل القدرة الشرائية كأحد أخطر مظاهر الأزمة، حيث بات الدخل الشهري للموظفين -الذي يُصرف بشكل جزئي ومبتور- لا يكفي لتغطية احتياجات أسبوع واحد من المتطلبات الأساسية. هذا الخلل البنيوي دفع بالأسر إلى استنزاف مدخراتها بالكامل، ثم الانتقال إلى مرحلة “الاستدانة الوجودية” أو بيع الممتلكات الشخصية البسيطة لتأمين وجبات الطعام. إنها حالة من “الانتحار الاقتصادي القسري”، حيث يضحي المجتمع بمستقبله ومدخرات أجياله من أجل البقاء في الحاضر، وهو ما سيخلق فجوة تنموية واجتماعية ستمتد آثارها لعقود طويلة حتى بعد صمت المدافع، مع غياب أي خطط دولية جادة لإعادة الإعمار أو ضخ السيولة في العروق المتصلبة للاقتصاد المحلي.

وعلى الرغم من محاولات الصمود الأسطورية التي يبديها السكان، إلا أن المؤشرات الكلية تؤكد أن غزة باتت تعيش “اقتصاد ما تحت الصفر”. فالاعتماد شبه الكلي على المساعدات الخارجية، التي تصل بالقطارة وتخضع لمزاجية المعابر، نزع عن الاقتصاد الغزي صفة الاستقلالية وحوله إلى “اقتصاد إغاثي” بامتياز، تضيع فيه كرامة الفرد بين الحاجة الماسة والمنع الممنهج. إن تداخل عوامل البطالة القياسية، وتآكل الدخول، والقفزات السعرية الفلكية، خلق حلقة مفرغة من الفقر المتعدد الأبعاد، الذي لا يقتصر على نقص المال، بل يمتد ليشمل الحرمان من الخدمات الأساسية والتعليم والبيئة الصحية، مما ينذر بانفجار اجتماعي وشيك نتيجة وصول الضغط المعيشي إلى نقطة الانفجار.

موت “العمل” وتحول المهارات البشرية إلى عبء معطل

يعد الشلل الكامل الذي أصاب سوق العمل في قطاع غزة الضربة القاضية للعمود الفقري للمجتمع، حيث تشير البيانات الصادرة عن الهيئات الدولية والمحلية إلى أن معدلات البطالة قد استقرت عند مستويات كارثية تتجاوز 77%، وهي نسبة تعني عملياً توقف الحياة المهنية لثلاثة أرباع القوة العاملة. هذا الانهيار لم يأتِ نتيجة تراجع اقتصادي طبيعي، بل هو ثمرة للتدمير المباشر للمناطق الصناعية والورش الحرفية والمشاريع الصغيرة التي كانت تستوعب آلاف العمال. لقد فقد العامل الغزي مكانه في الهيكل الإنتاجي، وتحولت مهاراته التي بناها عبر سنوات من الجهد إلى “رأس مال معطل” لا يجد مكاناً لصرفه، مما خلق حالة من الإحباط الجماعي والانسحاب القسري من القوى العاملة الفاعلة.

هذا التدهور الهيكلي أدى إلى انخفاض حاد في نسبة المشاركة في القوى العاملة لتصل إلى مستويات متدنية جداً (38%)، وهو ما يعكس ظاهرة “اليأس الوظيفي”، حيث توقف مئات الآلاف عن البحث عن عمل ليقينهم بانعدام الفرص. إن هذا الانفصال بين المواطن وسوق العمل يمثل تهديداً استراتيجياً طويل الأمد؛ فالعامل المعطل لفترات طويلة يفقد مهاراته التقنية، وتتآكل قدرته على العطاء، مما يجعل عملية إعادة تأهيل العمالة في مرحلة ما بعد الحرب مهمة معقدة تتطلب استثمارات هائلة. بالإضافة إلى ذلك، فإن تحول العمال المهرة إلى عمالة غير منتظمة تبحث عن أعمال هامشية لتأمين القوت اليومي، يؤدي إلى “انحدار كفاءة” القوى البشرية، ويقضي على أي فرصة مستقبلية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة أو الصناعة.

وعلى مقلب آخر، يواجه القطاع العام والموظفون الحكوميون أزمة “الرواتب المنقوصة” التي تآكلت قيمتها الفعلية بنسبة تزيد عن 60% نتيجة الأزمات المالية وتوقف التحويلات النقدية. الموظف الذي كان يمثل صمام الأمان للاستهلاك المحلي، بات اليوم عاجزاً عن تغطية فواتير الغذاء الأساسية، حيث فقدت الرواتب المبتورة قدرتها على مواجهة التضخم الجامح. هذا النزيف في الدخول لم يقلص الإنفاق فحسب، بل أدى إلى توقف الحركة التجارية في الأسواق المحلية، وخلق ركوداً تضخمياً خانقاً تضيع فيه القوة الشرائية بين شح النقد واشتعال الأسعار، مما يجعل الوظيفة عبئاً نفسياً بدلاً من كونها مصدر استقرار.

إن غياب برامج الدعم المباشر أو صناديق التعويض عن البطالة، في ظل تدمير القطاع الخاص، جعل المجتمع الغزي يعيش حالة من “التيه المهني”. فالحرب لم تسرق الوظائف فقط، بل سرقت “المستقبل الوظيفي” للشباب والخريجين الجدد الذين وجدوا أنفسهم خارج حسابات الزمن الاقتصادي. هذا الواقع المرير يحول البطالة من أزمة اقتصادية إلى قنبلة موقوتة تهدد النسيج القيمي والاجتماعي، حيث ينمو جيل كامل في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الكسب الشريف والمستدام، مما يفتح الباب أمام ظواهر اجتماعية سلبية تزيد من تعقيدات المشهد الإنساني المأزوم أصلاً.

فوضى الأسعار واندثار الرقابة: تجارة الجوع والموت

تمثل القفزات السعرية في أسواق غزة حالة فريدة من “التشوه الاقتصادي القسري”، حيث بلغت معدلات التضخم مستويات لا يمكن للعقل البشري أو النظريات الاقتصادية استيعابها، بتجاوزها حاجز الـ 3000% في فترات ذروة الأزمة.

هذا الارتفاع ليس مجرد انعكاس لنقص السلع، بل هو نتاج لمنظومة كاملة من “اقتصاد الظل” التي نشأت على أنقاض المعابر المغلقة وسلاسل التوريد المحطمة. فغياب الرقابة الفعلية على الأسواق، وتفرد قلة من التجار بالتحكم في السلع النادرة التي تصل عبر المساعدات أو عبر ممرات ضيقة، حول لقمة العيش إلى مزاد علني لا يربحه إلا من يمتلك السيولة، وهم قلة قليلة جداً في مجتمع يعاني من جفاف نقدي حاد.

هذا الانفلات السعري أدى إلى تغيير جذري في نمط الإنفاق الأسري، حيث باتت الأسر تضطر للمفاضلة بين احتياجات لا يمكن المفاضلة بينها؛ مثل الخبز والدواء، أو حليب الأطفال ووقود الطهي. إن وصول سعر بعض المواد الأساسية إلى أرقام خيالية في ظل انعدام الدخل، يعني حكماً بالإعدام على القدرة الشرائية للفقراء، ويحول الأسواق من مراكز للتبادل التجاري إلى ساحات للعجز والحسرة.

الميزانية المحدودة للأسر الغزية، التي كانت تكفي بالكاد قبل الحرب، لم تعد اليوم قادرة على شراء أبسط مستلزمات البقاء، مما جعل رحلة التسوق اليومية معركة خاسرة سلفاً، تنتهي غالباً بعودة الأيدي فارغة أو محملة بفتات لا يسمن ولا يغني من جوع.

علاوة على ذلك، فإن الخسائر الاقتصادية التراكمية التي ناهزت 70 مليار دولار منذ بداية الحرب، تعكس حجم الدمار الذي لحق برأس المال المادي والسلعي. هذا الدمار خلق فجوة هائلة بين العرض المحدود والاحتياجات الهائلة، مما فتح الباب واسعاً أمام “احتكار القلة” واستغلال حاجة الناس الماسة. التضخم في غزة لم يعد ظاهرة مالية يمكن علاجها بأدوات السياسة النقدية، بل أصبح “تضخماً أمنياً” مرتبطاً بالقدرة على الوصول للغذاء.

إن بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة بنسبة 150% حتى في فترات “الهدوء النسبي”، يؤكد أن الأسواق تعاني من تشوهات عميقة بنيوية، وأن الثقة في استقرار الأسعار قد تبخرت، مما يدفع السكان للاكتناز القهري أو المقايضة البدائية.

إن هذا الواقع المرير يضع المجتمع الغزي أمام تحدي “المجاعة الصامتة”، حيث تتوفر السلع على الرفوف بأسعار تجعلها كأنها غير موجودة. الارتفاع الحاد في أسعار الخضراوات واللحوم والسلع التموينية، دفع بالأغلبية الساحقة للاعتماد على “النمط الغذائي الواحد” القائم على المعلبات والمعونات الجافة، مما أدى إلى تفشي أمراض سوء التغذية وفقر الدم.

إن الحرب الاقتصادية هنا لا تستهدف الجيوب فقط، بل تستهدف الأجساد والعقول، عبر حرمانها من الحد الأدنى من السعرات الحرارية والبروتينات اللازمة للبقاء، وهو ما يشكل جريمة اقتصادية مكتملة الأركان تتجاوز في خطورتها أرقام العجز المالي والديون.

اقتصاد “المصروفات القسرية”

أفرزت الحرب في غزة طبقة جديدة من “المصروفات القهارة” التي لم تكن موجودة في حسابات الأسر قبل عام 2024، وهي تكاليف الخدمات الأساسية التي تحولت من حقوق عامة إلى سلع تجارية باهظة. فقد وجد النازحون والسكان أنفسهم أمام ضرورة دفع مبالغ يومية مقابل الحصول على المياه الصالحة للشرب، أو شحن الهواتف النقالة، أو شراء الحطب للطهي، أو حتى الحصول على مساحة لنصب خيمة.

هذه التكاليف اليومية، التي تتراوح بين 10 إلى 20 شيكل للأسرة الواحدة، قد تبدو صغيرة في الظروف الطبيعية، لكنها تشكل عبئاً جائراً في مجتمع انعدم فيه الدخل تماماً، مما يحول التفاصيل الصغيرة للبقاء إلى نزيف مالي مستمر لا يتوقف.

إن تحول الخدمات الحيوية إلى سلع تخضع للمقايضة والمضاربة هو ملمح بارز من ملامح “اقتصاد الحرب” في غزة؛ فالمياه التي كانت تصل عبر الشبكات بأسعار رمزية، باتت اليوم تتطلب رحلة شاقة ومبالغ نقدية فورية. وكذلك الحال بالنسبة للطاقة؛ حيث أدى انقطاع الكهرباء الكامل إلى نشوء تجارة “شحن البطاريات” و”بطاقات الإنترنت” بأسعار استغلالية، مما أضاف عبئاً جديداً على كاهل الأسر التي تحاول التواصل مع ذويها أو متابعة الأخبار. هذه المصروفات اليومية التراكمية تؤدي إلى تآكل سريع لما تبقى من سيولة نقدية لدى الناس، وتجبرهم على التخلي عن شراء الغذاء من أجل دفع تكاليف الخدمات التي لا يمكن الاستغناء عنها.

هذا الواقع خلق حالة من “الفقر المائي والرقمي”، حيث تضطر الأسر لتقنين شرب الماء أو تقليص التواصل بسبب التكاليف. كما أن الاعتماد على الحطب كبديل لغاز الطهي المفقود لم يعد مجرد خيار بدائي، بل أصبح تجارة منظمة يرتفع سعرها مع زيادة الطلب وشح الخشب الناتج عن تدمير المساحات الخضراء، مما يضيف طبقة أخرى من المعاناة الاقتصادية والبيئية. إن هذه الأعباء اليومية المستحدثة تعمل كمضخة لشفط ما تبقى من “رمق مالي” لدى المجتمع، وتحول الأفراد إلى رهائن لخدمات بدائية تُباع بأسعار الرفاهية، في ظل غياب أي تدخلات دولية لتوفير هذه الخدمات بشكل مجاني أو مدعوم كجزء من العمل الإغاثي.

وفي نهاية المطاف، فإن تراكم هذه التكاليف القسرية يؤدي إلى تجريد الإنسان الغزي من آخر دفاعاته الاقتصادية. فالمبالغ البسيطة التي تُدفع يومياً مقابل الماء والشحن والحطب، تقتطع من ميزانية الدواء والكساء، وتجعل العيش تحت الحد الأدنى هو المعيار الوحيد المتاح.

إن اقتصاد غزة اليوم هو منظومة متهالكة تتغذى على بقايا مدخرات الناس، وتحول معركة البقاء إلى صراع مالي مرير، يُستنزف فيه المواطن في كل ثانية يقضيها بحثاً عن مقومات الحياة، مما يكرس حالة العجز الشامل ويجعل من فكرة “التعافي الذاتي” ضرباً من الخيال في ظل المعطيات الراهنة.

زر الذهاب إلى الأعلى