
تقارير | بقش
مع اقتراب النزاع الروسي–الأوكراني من عامه الرابع، بدأت ملامح الإجهاد الاقتصادي تظهر على الدولة الروسية بصورة أكثر وضوحاً ممّا كان معلناً خلال السنوات الماضية. فبعدما استفاد الاقتصاد في بدايات الحرب من موجة توسّع مالي ضخمة، وارتفاع قياسي في عائدات الطاقة، دخلت روسيا في 2025 مرحلة جديدة مختلفة تماماً؛ مرحلة تتسم بانكماش قدرة المستهلك، وتراجع تنافسية القطاعات المدنية، وارتفاع كلفة التمويل، وتآكل الفوائض الحكومية التي صمدت طويلاً قبل أن تضغط عليها العقوبات والتحركات العسكرية.
وفي الوقت الذي تتراجع فيه المسافة الفاصلة بين المدني والجبهات، تعيش عشرات المناطق الروسية حالة توتر يومي نتيجة سقوط المسيّرات التي تضرب منشآت للطاقة ومناطق سكنية، ما يعمّق الشعور الداخلي بأن الحرب التي كانت تُدار من بعيد باتت تقترب من حياة المواطنين. هذه التحولات الأمنية ترافقت مع تغيرات اقتصادية أكثر قسوة؛ من تباطؤ النمو، إلى قرارات نقدية مشددة، إلى تراجع الاستهلاك الغذائي في بلد لطالما اعتمد على قوته الشرائية الواسعة كأحد أعمدة استقراره الاجتماعي.
ومع تضاؤل قدرة التحفيز المالي، واتساع الفجوة بين ما تنفقه الحكومة على العمليات العسكرية وما يتبقى لدعم القطاعات المدنية، بدأت تتشكّل طبقة جديدة من الأزمات المرتبطة بالسوق الداخلية: أسعار ترتفع بوتيرة تتجاوز الأجور، وتدهور في قطاع التجزئة، وانكماش في الصناعات الثقيلة، وعودة تدريجية لشبح الركود الذي كانت موسكو تصر على أنها تجاوزته. ورغم أن حجم المعاناة لا يقارن بما تشهده أوكرانيا، إلا أنه يكشف حدود قدرة الاقتصاد الروسي على امتصاص صدمة ممتدة بهذا الحجم.
هذا المشهد الاقتصادي المعقّد يتزامن مع ضغوط أمريكية متزايدة على صادرات النفط والغاز الروسية، ومحاولة دفع موسكو نحو اتفاق لوقف إطلاق النار. ورغم أن روسيا لا تبدو مستعدة سياسياً لإنهاء القتال، فإن المؤشرات الاقتصادية، المتراجعة على نحو متدرّج وفق اطلاع بقش، تكشف أن قدرة الدولة على الاستمرار بنفس وتيرة الإنفاق العسكري ليست مفتوحة بلا نهاية.
الشروخ تتسع داخل الاقتصاد المنزلي الروسي
تشهد العاصمة موسكو والمدن الكبرى تحولات غير مسبوقة في سلوك المستهلكين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد؛ أسعار ترتفع بوتيرة أسرع من الأجور، وقدرة شرائية تتآكل رغم رفع الرواتب العسكرية والمدنية في 2024 بنسبة قاربت 20% حسب قراءة بقش.
ورغم أن هذا الارتفاع كان يبدو في حينه مؤشراً على “اقتصاد مزدهر”، فإن حقيقته كانت مرتبطة بدفعة استثنائية من الإنفاق الحكومي، سرعان ما انعكست تضخماً واسعاً بين 2024 و2025.
وبحسب بيانات منصة «سبير إندكس» التابعة لـ«سبيربنك»، فإن الأسر الروسية باتت تقلص إنفاقها على المواد الأساسية، مع انخفاض مبيعات سلع مثل الحليب ولحوم الخنزير والحنطة السوداء والأرز بما بين 8% و10% خلال سبتمبر وأكتوبر الماضيين. ويعكس هذا التحول ضغوطاً حقيقية على سلة الغذاء الروسية في وقت يحاول فيه السكان التكيّف مع تراجع الدخل الحقيقي وتزايد الضرائب.
أما تضخم الأسعار، الذي بلغ نحو 6.8% في مطلع نوفمبر وفق مراجعة بقش، فلا يعكس تحسناً اقتصادياً، بل ناتجاً في معظمه عن ضعف الطلب، وفق مركز التحليل الكلي والتنبؤات القصيرة الأجل المرتبط بوزارة الدفاع. فالمستهلك الروسي اليوم يُنفق أقل ليس لأن الأسعار مستقرة، بل لأن قدرته على الشراء أصبحت مقيدة.
في المقابل، أظهرت تصريحات روسية رسمية أن متوسط قيمة مشتريات البقالة الأسبوعية تضاعف خلال السنوات الأخيرة، وهي إشارة إضافية إلى أن أسعار المواد الغذائية باتت تضغط على معيشة الأسر بصورة لم تشهدها روسيا منذ عقد على الأقل.
القطاعات الإنتاجية تتراجع… وصناعة الصلب والفحم في منطقة الخطر
تشهد القطاعات الصناعية الروسية تراجعاً واسعاً يطال أكثر من نصف قطاعات الاقتصاد، وفق تقييم مركز الأبحاث الاستراتيجية في موسكو. ويبرز قطاع الصلب باعتباره الأكثر تأثراً، إذ تراجع استهلاك الصلب داخل البلاد بنسبة 14% خلال 2025، بحسب شركة «سيفيرستال»، أكبر منتج للصلب في روسيا. كما هبط الطلب على الصلب في قطاع البناء بنسبة 10% وفي قطاع الآلات والمعدات بنسبة 32%، وهو انهيار يظهر عمق ما يواجهه الاقتصاد من انكماش في الطلب المحلي.
أما قطاع التعدين، وخصوصاً الفحم، فيمر بأسوأ وضع له منذ عقد، حيث بدأت شركات كبرى في خفض الإنتاج تحت ضغط التكاليف المتزايدة وتراجع الطلب الخارجي.
وفي قطاع التجزئة، تشير بيانات الربع الثالث إلى إغلاق 45% من متاجر الأزياء، وهبوط غير مسبوق في سوق الإلكترونيات، الأسوأ منذ 30 عاماً، مع اتجاه المستهلكين لتأجيل أي مشتريات كبرى نتيجة ارتفاع تكلفة الاقتراض.
وتُضاعف الضربات الأوكرانية على البنية التحتية الروسية، خصوصاً في الموانئ ومصافي النفط الممتدة من البحر الأسود إلى البلطيق، من الضغوط على سلاسل الإنتاج. هذه الهجمات التي وصلت في بعض الحالات إلى مسافة 2000 ميل داخل العمق الروسي، تسببت بأزمة وقود داخلية أدت إلى قفزة كبيرة في أسعار البنزين منذ نهاية أغسطس، رغم التراجع الطفيف في نوفمبر.
قطاع مصرفي يتجه نحو القلق
أدت موجة التضخم المرتفعة في ذروة الحرب إلى رفع البنك المركزي الروسي أسعار الفائدة إلى 21% في أكتوبر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال سنوات. ورغم أن الفائدة تراجعت لاحقاً، فإن أثر التشديد النقدي ظهر بوضوح في 2025، حيث تباطأت الأنشطة الصغرى والمتوسطة، وتراجع الطلب على القروض الجديدة، وازدادت الضغوط على المستثمرين المحليين.
ووفق بيانات البنك المركزي، ارتفعت القروض المتعثرة في محافظ الشركات إلى 10.4%، ما يعادل نحو 9.1 تريليون روبل (112 مليار دولار)، بينما ارتفعت القروض المتعثرة للأفراد إلى 12%. وهذه الأرقام تُعد مؤشراً واضحاً على تآكل قدرة الأسر والشركات على خدمة ديونها.
وفي ظل عجز مالي يتسع، بلغ 1.9% من الناتج المحلي في أكتوبر، مع توقعات بارتفاعه إلى 2.6% بنهاية العام، بدأت الحكومة الروسية زيادة الاقتراض الداخلي عبر سندات مرتفعة العائد حسب متابعة بقش، في خطوة تعكس الحاجة المتزايدة لتمويل العمليات العسكرية، وتراجع إيرادات النفط والغاز التي هبطت بأكثر من الخُمس خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر.
يضاف إلى ذلك خطط لزيادة ضريبة القيمة المضافة وتوسيع نطاق تطبيقها، إضافة إلى فرض ضريبة تكنولوجية جديدة على المكونات الإلكترونية، مع رفع رسوم السيارات. ووفق التقديرات، ستضيف هذه الإجراءات نحو 1.2 تريليون روبل إلى خزينة الدولة في 2026.
صادرات الطاقة تتراجع… والضغوط الأمريكية تتصاعد
تراجع عائد روسيا من النفط والغاز إلى 7.5 تريليون روبل بين يناير وأكتوبر، أقل بأكثر من الخُمس عن الفترة نفسها من 2024، نتيجة انخفاض الأسعار، وقوة الروبل، والعقوبات الغربية، وتراجع أسواق التصدير.
وجاءت العقوبات الأمريكية الأخيرة على شركتَي “روسنفت” و “لوك أويل” في أكتوبر لتزيد الضغط على موسكو في وقت كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يدرس إرسال صواريخ «توماهوك» إلى أوكرانيا. وقد دفع ذلك موسكو إلى إعادة تشغيل قناة تفاوض خلفية مع واشنطن للحصول على تخفيف للعقوبات مقابل تقدم سياسي في مسار وقف إطلاق النار.
وتشير بيانات نوفمبر إلى أن صادرات الوقود الروسية هبطت إلى أدنى مستوى منذ بداية الحرب، كما تباطأت الطفرة التجارية مع الصين بعد أن كانت أحد أهم المخارج الاقتصادية لروسيا خلال العامين الماضيين.
ورغم أن بكين ما تزال شريكاً رئيسياً لموسكو، فإن تراجع الطلب الصيني على الوقود الروسي، وتذبذب الأسعار، وتزايد الضغوط الأمريكية على الشركات الوسيطة، يقلص القدرة الروسية على الاعتماد على آسيا كمتنفس دائم.
تشير معظم البيانات الاقتصادية إلى أن الاقتصاد الروسي، رغم صلابته الظاهرة في 2022 و2023، يدخل في مرحلة إنهاك ممتدة، حيث تتراجع المؤشرات تدريجياً دون انهيار شامل. ومع أن موسكو لا تزال قادرة على تمويل العمليات العسكرية، فإن الفاتورة أصبحت أعلى بكثير، والقدرة على مواجهة صدمات جديدة أصبحت أقل.
ورغم أن الأزمات المتراكمة لا تعني توقف الحرب قريباً، فإنها تكشف أن الاقتصاد الروسي بات يتحرك في مساحة ضيقة بين الحفاظ على الجبهة العسكرية وبين منع تدهور داخلي قد يؤدي إلى ركود واسع في 2026. وما لم يتغير المسار السياسي، سيظل الاقتصاد الروسي عرضة لتآكل مستمر، بطيء لكنه مؤكد.
في المقابل، يبقى السؤال الحقيقي: هل تدرك القيادة الروسية أن التحول من اقتصاد مدني مُنتج إلى اقتصاد حرب له حدود؟ أم أن جرس الإنذار، الذي بدأ يُسمع بوضوح، لم يصل بعد إلى نقطة يجعل موسكو تعيد تقييم كلفة استمرار النزاع؟.
التاريخ يقول إن النزاعات الطويلة لا تُهزم بالسلاح وحده، بل بالأرقام… والاقتصاد الروسي بدأ يشعر بتلك الحقيقة اليوم.


