
الاقتصاد العالمي | بقش
تحولات متسارعة تمر بها أسواق الطاقة العالمية في طرق تصدير النفط بعد تعطل الملاحة في مضيق هرمز نتيجة الحرب على #إيران، إذ تتجه شركات الشحن وناقلات الخام إلى “البحر الأحمر” -الذي كان حتى وقت قريب بؤرة ساخنة للتوترات- بوصفه الآن ممراً بديلاً لإيصال الإمدادات إلى الأسواق الدولية.
بيانات تتبّع السفن التي جمعها “بقش” تُظهر أن عشرات ناقلات النفط بدأت بالتجمع قبالة الساحل الغربي للسعودية، حيث رُصد وجود ما لا يقل عن 27 ناقلة خام بالقرب من منشآت التصدير في ميناء ينبع على البحر الأحمر اليوم الإثنين (16 مارس)، مقارنة بنحو 11 ناقلة فقط قبل أيام قليلة، ويشير هذا الارتفاع السريع إلى تسارع عمليات تحويل مسارات الشحن بعيداً من الخليج العربي نحو الموانئ المطلة على البحر الأحمر.
ينبع: مركز التصدير الرئيسي البديل
مع تعطل المرور في مضيق هرمز، بات ميناء ينبع يمثل المنفذ الأهم لتصدير النفط السعودي إلى الأسواق العالمية، وتسعى المملكة إلى تعويض القيود التي فرضتها الأزمة الحالية عبر استخدام خط أنابيب “شرق – غرب”، وهو خط استراتيجي يمتد عبر الأراضي السعودية وصولاً إلى ساحل البحر الأحمر.
هذا الخط، الذي أنشئ في ثمانينيات القرن الماضي وجرى توسيع طاقته عدة مرات لاحقاً، يملك قدرة نظرية تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً حسب اطلاع بقش، وهو المستوى الذي تستهدف الرياض الوصول إليه لتأمين استمرار تدفق صادراتها النفطية، لكن البيانات الحالية تشير إلى أن حجم الشحنات عبر هذا المسار لا يزال دون هذا المستوى، رغم الزيادة التدريجية في التدفقات.
فقد ارتفع متوسط الشحنات المحمّلة من منشآت التصدير في ينبع إلى نحو 3.1 ملايين برميل يومياً خلال الأسبوع المنتهي يوم الأحد، مقارنة بحوالي 2.4 مليون برميل يومياً في الأسبوع السابق، في مؤشر على أن السعودية تعمل تدريجياً على رفع قدرة التصدير عبر هذا المسار البديل.
وتؤكد الزيادة في عدد الناقلات المنتظرة قرب ينبع على حجم الضغط الهائل الذي تواجهه البنية التحتية النفطية في المنطقة، فمع تدفق النفط عبر خطوط الأنابيب بسرعات محدودة لا تتجاوز عادة بضعة أميال في الساعة، يحتاج وصول الكميات الإضافية إلى الميناء إلى وقت، كما أن شركات الشحن لا تزال تتكيف مع الترتيبات اللوجستية الجديدة لتجميع الشحنات وتحميلها.
ووفق البيانات التي تتبَّعها بقش، بلغ متوسط عمليات التحميل في الميناء خلال الأسبوع الماضي سفينتين يومياً تقريباً، وهو مستوى يقارب ضعف النشاط الذي سُجل في الأسبوع الذي سبقه، ما يشير إلى تسارع عمليات التصدير مع تزايد الاعتماد على هذا المسار.
“أرامكو” تمنح العملاء خيار البحر الأحمر
مع هذه التطورات، بدأت شركة “أرامكو السعودية” تقديم خيار جديد لعملائها من المشترين بعقود طويلة الأجل، يقضي بإمكانية استلام شحناتهم المخصصة لشهر أبريل عبر ميناء ينبع بدلاً من موانئ الخليج العربي.
غير أن هذا الخيار لا يضمن حصول المشترين على كامل الكميات المتفق عليها، إذ إن قدرة خط الأنابيب الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر تظل محدودة مقارنة بإجمالي صادرات المملكة، أما الخيار الآخر فيتمثل في استلام الشحنات من موانئ الخليج، لكنه ينطوي على مخاطرة كبيرة في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، ما قد يؤدي إلى عدم وصول أي شحنات.
وبالنظر إلى بيانات السوق، فإن السعودية صدرت في فبراير نحو 7.2 ملايين برميل يومياً من النفط الخام، كانت معظمها تُشحن عادة من ميناءي رأس تنورة والجعيمة على الخليج العربي قبل تفاقم الأزمة الحالية.
وأدت الحرب إلى صدمة كبيرة في أسواق الطاقة، حيث قفزت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل منذ اندلاع الحرب، ووصفت وكالة الطاقة الدولية الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز بأنه أكبر صدمة تواجه سوق النفط العالمية على الإطلاق، نظراً لحجم الإمدادات التي تمر عبر هذا الممر البحري الحيوي.
في ضوء هذه التطورات، بدأت مؤسسات مالية كبرى في تعديل توقعاتها للأسعار، مثل بنك “مورغان ستانلي” الذي رفع تقديراته لمتوسط سعر خام برنت في الربع الثاني من العام إلى نحو 110 دولارات للبرميل، مع استمرار المخاوف بشأن تعطل الإمدادات.
آثار الأزمة على آسيا وأوروبا
تعتمد غالبية صادرات النفط السعودي على الأسواق الآسيوية، وهو ما جعل دول المنطقة من بين الأكثر تأثراً بالأزمة، فقد خفضت شركة “سينوبك” الصينية، أكبر شركة تكرير في الصين، معدلات تشغيل مصافيها بنحو 10% للتعامل مع نقص الإمدادات، بينما لجأت اليابان إلى السحب من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية لتعويض أي نقص محتمل.
وفي أوروبا أفادت بعض شركات التكرير بأنها تلقت كميات أقل من المتعاقد عليها مع “أرامكو” السعودية، إذ لم تحصل إحدى الشركات الكبرى على أي شحنات للتحميل خلال الشهر المقبل، بينما تسلمت شركات أخرى كميات أقل من طلباتها.
وفي حال استمرار الحرب لفترة أطول، يتوقع المتعاملون في السوق أن يتغير نمط بيع النفط الذي يُحمّل من ميناء ينبع والمتجه إلى آسيا، فبدلاً من الصيغة المعتادة التي يتولى فيها المشترون ترتيب النقل والشحن من الميناء، قد يتم تسويق الشحنات على أساس التسليم، بحيث تتولى “أرامكو” بنفسها ترتيبات النقل إلى الموانئ النهائية.
كما تشير المعلومات إلى أن الشحنات المتاحة عبر ميناء ينبع ستقتصر في الغالب على الخام العربي الخفيف وفق اطلاع بقش، وهو أحد أكثر الخامات طلباً في الأسواق الآسيوية.
سوق النفط: مرحلة التغيرات الكبرى
وخارج السعودية، تمتلك الإمارات أيضاً خط أنابيب ينقل النفط إلى ميناء الفجيرة على بحر العرب، غير أن هذا الخط تعرض لتوقف مؤقت مرتين خلال الأيام الأخيرة بعد هجمات استهدفته، ما يعكس مدى هشاشة البنية التحتية للطاقة في ظل التصعيد العسكري.
وتشير المعطيات الراهنة إلى أن سوق النفط العالمية تدخل بالفعل مرحلة إعادة تشكيل مؤقتة لمسارات التجارة وطرق التصدير، مع محاولة الدول المنتجة الالتفاف على القيود الجغرافية التي فرضتها الحرب، ويبدو أن البحر الأحمر أصبح ولو مؤقتاً بديلاً استراتيجياً لنقل جزء من الإمدادات النفطية التي كانت تعبر تقليدياً عبر مضيق هرمز.
لكن رغم هذه الجهود، فإن قدرة خطوط الأنابيب والموانئ البديلة لا تزال أقل من الطاقة الكاملة للتصدير عبر الخليج العربي، وهو ما يعني أن أي إغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز سيبقى عاملاً ضاغطاً على الإمدادات والأسعار في أسواق الطاقة العالمية.


